موقع ياقوت المحبة - لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

 

 ||  تأملات في فكر نابغة الدهر وسلطان المؤلفين  ||

 
 

 المرأة  في فكر الإمام الشيرازي

 

 التعددية  في فكر الإمام الشيرازي

   الفقه الشيرازي ، وحل الإشكالات الفلسفية .
    قراءة في كتاب ( تلك الأيام )
   قراءة في كتاب  ( هؤلاء اليهود )

 

المرأة  في فكر الإمام الشيرازي

قدس سره الشريف

 

بقلم : حيدر البصري

 

لقد أفرد الكتاب ـ من المناهضين للإسلام وأترابهم ـ العديد من المؤلفات في مجال حقوق المرأة، وحاول البعض منهم ذرف دموع التماسيح على وضــع المرأة في الإسلام، وانعدام المساواة بين كل من الرجل والمرأة في الدين الإسلامي، مما حدا بمجموعة من النساء المسلمات للانسياق وراء هذه الدعوات المناهضة.

كما أنهم اغتنموا فرصة الجهل الذي زرعته أيديهم في مجتمعاتنا ـ إلا بمقدار ما يرتبط بثقافتهم ـ ليبثوا سمومهم هذه بيننا. علاوة على ما تقدم، خلطوا بين المفاهيم كيما ينالوا هدفهم الذي يرمون إليه، وقد تحقق لهم الكثير مما أرادوا، فكيف كانت صيغة ذلك الخلط يا ترى؟

خلط متعمد
قالوا بأن الدين الإسلامي تفتقر فيه المرأة إلى حقوقها الأساسية، فهي تعيش في ظل الإسلام على هامش الحياة، حيث الريادة للرجل في كل شيء ولا ذكر للمرأة إلا بما يخدم مصالح الرجل وحاجاته، فلا مساواة في الإسلام بينهما.
وقبل الرد على ما يقولون من انعدام المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام لابد لنا من وقفة عند مفهوم (المساواة) الذي طالما رفعوا منه شعاراً يتصيدون به أبناءنا فيبعدونهم عن دينهم، ويفقدونهم ثقتهم به، فهل المساواة المقصودة هي التي يعكسها لنا واقع الحياة الغربية من مجاراة المرأة للرجل في مجالات الحياة كافة وبدون استثناء؟ أم المساواة المقصودة هي المساواة الحقيقية؟

فإن كان المقصود بالمساواة التي يدعون إليها مجاراة المرأة للرجل في كل مجالات الحياة وإن كانت لا تتناسب مع تركيبتها العضوية والنفسية، كالأعمال الثقيلة، ومهام القضاء فليس هذا الأمر في واقعه من المساواة في شيء بل لا يمتّ إلى المساواة بصلة تذكر.

إن هذه الدعوة المنبثقة من واقع العالم الغربي ـ الذي نزلت المرأة فيه جميع الميادين بلا استثناء ـ إنما هي دعوة إلى سلخ المرأة عن كونها إمرأة واعطائها ـ قهراً ـ صفات الرجل، وهو ما لا يتناسب مع تركيبة المرأة العضوية والنفسية، وبالتالي فدعوة كهذه شبيهة بتكليف الأب ابنه الذي يبلغ من العمر ثلاث سنين عين المسؤوليات التي يكلفها ابنه الذي يبلغ الخامسة والعشرين من عمره تحت ذريعة المساواة بينهما، أو من قبيل تحميل القانون ـ على سبيل المثال ـ أو الدولة، العاجز جسدياً عن مسؤولية حمل السلاح، فهل العقل يقبل مثل هذه الأمور؟ أم هل ينطبق على أمور كهذه مفهوم المساواة؟
لاشك ولاريب بأن أموراً كالتي سبق ذكرها لا تدخل في دائرة مفهوم المساواة بل على العكس من ذلك تعد هذه الأمور محاولات قهرية لجعل موضوعين مختلفين متشابهين من كافة جهاتهما وهو ما لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع وذلك انها من الممتنعات العقلية.

فتركيبة المرأة العضوية والنفسية تختلف عن التركيبة التي خلق الله الرجل عليها، فمقتضى اختلاف التركيبة ان يكون هناك اختلاف في طبيعة حقوق وواجبات كل منهما بما يتناسب مع تركيبة كل منهما، وليس في هذا الاختلاف رفع لشأن أحدهما على حساب الآخر، بل على العكس من ذلك يعد تكليف المرأة بعين ما يكلف به الرجل إجحافاً في حقها، وسلباً لأنوثتها، كما يعد سلب ما يكلف به الرجل ـ في مقابل ذلك ـ تقليلاً من شأنه.

إذن فالمعنى الحقيقي للمساواة في أن يكلف كل عضو من أعضاء المجتمع ـ رجلاً أم امرأة صغيراً أم كبيراً... إلخ ـ بما يتناسب مع طاقته وطبيعته، فهذا هو عين التساوي، أما تكليف الجميع بنفس التكاليف بغض النظر عن طبيعة كل واحد منهم، فهو مما يخالف العقل.

نعود للقول بأن من تباكى على المرأة المسلمة لافتقارها المساواة مع الرجل إنما خلط قصداً بين مفهومي المساواة والتشبيه، فهو في الحقيقة لا يدعو إلى المساواة وإنما يدعو إلى التشبيه القهري كما ذكرنا وهو ما ترفضه الفطرة البشرية فضلاً عن المرأة المسلمة نفسها. أي لو كان يعني بالمساواة واقع الحياة الغربية فنحن نرفض هذا النوع من المساواة، وإن كان واقع المرأة الغربية لا يمت إلى المساواة بصلة.

واقع المسلمين ليس دليلاً على رأي الإسلام
قد يكون بعض أصحاب الدعوات المضلة الذين سبقت الإشارة إليهم قد استندوا في اطلاقهم التهم على الدين الإسلامي بعدم مساواته المرأة بالرجل إلى الواقع الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية، ولكن هذا غير مقبول تماماً، فمن الواضح أن الدين الإسلامي منحّىً عن إدارة أمور المجتمعات الإسلامية، فيكون تطبيق أحكامه ـ بناءً على تنحيته وعدم تطبيقه ـ كيفياً، هذا أولاً. ثم إن الحكم على نظرية لابد أن يستند إلى آراء أصحاب تلك النظرية وتصريحاتهم بها، لا أن يستند الحكم عليها من خلال سلوكيات العامة ممن تنتشر النظرية في أوساطهم.
فمن يريد الوقوف على آراء الدين الإسلامي عليه أن يتتبع ذلك من خلال مصادر التشريع، ومن آراء القائمين عليه من أصحاب الخبرة والاختصاص.
ولكي نوقف هؤلاء الذين تغافلوا عن آراء الدين الإسلامي في مسألة المرأة يكفي أن نطرح بين أيدي القراء الكرام ـ وأيديهم ـ المساحة التي شغلتها قضية المرأة في الساحة الفكرية لواحد من علماء الإسلام لتنقطع بذلك الحجة على من يدعي عدم علمه بالأمر، وليعي ذلك ابناء الإسلام، فيحيطون علماً بما تنسجه أيدي أعدائهم من المؤامرات ضدهم، وهو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي (دام ظله). وبالإضافة إلى المساحة الفكرية التي تشغلها قضية المرأة في فكر سماحته سنمر كذلك على الواقع الذي تعيشه المرأة في ظل ورعاية الإمام الشيرازي (حفظه الله ورعاه).

المرأة في فكر الإمام الشيرازي
لقد أولى الإمام الشيرازي عناية شاملة بكافة الموضوعات الحياتية، ابتداءً بما يخص الفرد، ومروراً بعلاقته بالمجتمع، وانتهاءً بعلاقة الفرد بربه، ولم يكن موضوع المرأة ليغيب عن فكر الإمام الشيرازي بل على العكس من ذلك تجده يولي قضية المرأة عناية فائقة الأهمية تمخضت عن العديد من الكتب التي جسّد فيها سماحته خلاصة رأي الإسلام في المرأة.

فمرة تجده يطرح رأي الإسلام في المرأة وفي فاعلية دورها في حياة المجتمع من خلال تناول نماذج من عظيمات نساء الإسلام من قبيل فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأم البنين (عليها السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) فكتب (من فقه الزهراء) و (أم البنين) و (زينب بطلة كربلاء) و (مريم الطاهرة)...

ومرة تجده يكتب في قضايا الأســرة فيوقفنا على ما يجب ان يكون عليه وضع المرأة في الأسرة في ظل أحكام ومبادئ الدين الإسلامي فكتب في (الأسرة) و (العائلة) و (الزواج) و (المرأة والنكاح). فتراه ينبري مدافعاً عن المرأة وحقوقها في كل ذلك، مضعفاً جميع الروايات التي تخالف العقل، وتمس بشخصية المرأة منزهاً الدين الإسلامي عن مثل تلك الآراء التي دست بين مبادئ الإسلام وأحكامه للنيل منه، من قبيل ما ينسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من القول: (شاوروهن وخالفوهن). وما ينسب إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) مما يدل على كراهة مشاورة المرأة إلا بقصد المخالفة. ومرة تجده يكتب في ما يجب ان يكون عليه اكرام المرأة وتقدير جهودها، فتجده يكتب كتاباً بعنوان (والدتي)..

واقع المرأة في ظل رعاية الإمام الشيرازي

ما مر ذكره كان في مجال الساحة الفكرية للإمام الشيرازي (حفظه الله) ومقدار ما تشغله قضية المرأة المسلمة، نتطرق هنا وننزل مع الإمام الشيرازي إلى ميدان الواقع لنرى ما تعيشه المرأة في ظل رعايته (دام ظله).

فمن خلال ما ينقل لنا من دماثة أخلاق الإمام الشيرازي (دام ظله) وسموها، ومن خلال ما لمسناه نحن من ذلك، نجد أن المرأة ليست بمستثناة من سمو تلك الأخلاق ونبلها، فالمرأة تشهد احتراماً قل نظيره من قبل سماحته. وليس أدل على ما ندعي، من مشاركة العديد من أسرة آل الإمام الشيرازي (حفظه الله) في ميدان الحياة الفكرية، وبروز نسوة في الميدان الفكري لا يجتمع مع تهميش دورهن في الحياة وعدم الاعتناء بهن، وإنما يدل ذلك على عظم الرعاية التي تلقاها النسوة من قبل الإمام شخصياً.

فقرينة الإمام الشيرازي كانت من صاحبات القلم حيث أمدت الساحة ببعض الكتب منها (من كلمات الإمام الحسين عليه السلام) و (من كلمات الإمام العسكري عليه السلام) وكتاب (الأخلاق).

وزوجة ابنه السيد محمد رضا الشيرازي كتبت (مائة قصة) و(فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسوة المرأة المسلمة). ولزوجة السيد جعفر الشيرازي (روائع من حياة الإمام الكاظم عليه السلام). وكتاب (في رحاب الإمام الصادق عليه السلام) لزوجة السيد مرتضى الشيرازي. هذا علاوة على ما كتبته زوجة السيد محمد علي الشيرازي، والسيد مهدي الشيرازي، وابنة الإمام الشيرازي كذلك.

إن هذا الكم من التأليفات التي جاءت بها المرأة من أسرة الإمام الشيرازي، تعكس بوضوح الواقع الذي تعيشه المرأة في ظل رعاية الإمام (حفظه الله)، ومدى العناية التي يوليها مباشرة بالمرأة، أو بصورة غير مباشرة، من خلال ما زرعه من نهج في ذهنية أبنائه الكرام.

وكل ذلك في ضوء النهج الإسلامي الذي يكرم المرأة أيما تكريم، ويرتفع بها من ذل عبودية الشهوة، وخدمة أغراض الرجل تحت ذريعة المساواة ـ المزعومة ـ كما هو الحال في ظل المجتمع الغربي، إلى عز إكرام الدين الإسلامي الذي يجعل منها كنزاً يجب حفظه عن أن تعبث به أيدي العابثين ممن لا إنسانية لهم.

فالدين الإسلامي لم يحظر على المرأة الخروج من المنزل، ولم يحظر عليها المشاركة في الحياة الاجتماعية كما يدعي أولئك، ولكن الدين الإسلامي أراد للمرأة ـ فيما لو أرادت المشاركة في الحياة الاجتماعية ـ أن تكون مشاركتها في ظل الضوابط الإسلامية، وبما يحفظ لها كرامتها وعفتها.

إذن هل المساواة التي يدعو إليها غيرنا أحق بالاتباع وأحفظ لحقوق المرأة؟ أم ما تحقق لها في ظل الإسلام، حيث المساواة الحقيقية والكرامة الإنسانية ومشاركتها للرجل في الكثير من شؤون الدين والدنيا؟
 

 

 

التعددية في فكر الإمام الشيرازي

قدس سره الشريف

 

بقلم : نبيل البصري

 

من الموضوعات المهمة التي تحتل حيزاً كبيراً من دائرة اشتغال الكثير من المفكرين والمثقفين في العالم أجمع، موضوع التعددية. فقد يقف البعض بوجه مبدأ التعددية عند بني الإنسان على مستوى الأذواق والآراء والمواقف، ويطلب أن تكون هناك وحدة واحدة تسود وتجمع كل مديات النشاطات الإنسانية. فالكل لا بد أن يسير ـ فيما يحب أو يختار أو يفكر ـ وفق شكل واحد ومذاق واحد، وهو ما يريده هذا الاتجاه أو ذاك.

الأمر الذي يبدو واضحاً لدى بعض التيارات السياسية التي تصل إلى سدة الحكم بشكل لا تقوم فيه السلطة على أساسٍ من الانتخاب أو الاختيار الجماهيري أو النخبوي، في حالة وجود من ينوب عن الشعب في تقرير مصيره مثل المجالس النيابية أو غيرها.

لكن عبثاً يحاول هذا النمط من التفكير الذي لا يبتغي وراء تحقيق مطامحه الخاصة ـ مطامح الحزب أو الفرد ـ شيئاً. إذ إن مبدأ التعددية يضرب بجذوره أعماق التركيبة الإنسانية. فأن يختلف الناس في أفكارهم وآرائهم ومواقفهم وعاداتهم فذلك أمر طبيعي، ومقتضى لطبيعة النفس البشرية والظروف الحياتية بشكل عام. فلو استقصينا أزمنة التأريخ وراجعنا السيَر لما وجدنا البشرية في لحظة من لحظات الزمن قد اتفقت أو اجتمعت على كل الأمور والقضايا بمجملاتها أو تفاصيلها.

والإسلام بوصفه ديانة نزلت للإنسانية جمعاء، أخذ على عاتقه تبني جميع المفاهيم والقيم التي تقتضيها الحياة البشرية، وتتناغم ووصول الإنسان إلى المرحلة المتكاملة التي أرادتها له السماء. فراح الوحي المقدس والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ومن بعده أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) يؤسس لكل معاني الخير والفضل، ويحث على القيم السامية، التي من بينها ومن مهماتها قضية التعددية، أو الحرية في الأذواق والمشارب، دون أن تكون التعددية أو الحرية التي يدعو لها الدين الإسلامي دعوة إلى الفوضى أو اللارجوع إلى ثوابت وضوابط، بل هي محكومة لضوابط شرعية ونواظم تمليها الصياغة العامة للرؤية الإسلامية للإنسان ومسيرته في الحياة الدنيا وما يؤول إليه مستقبلاً في الحياة الآخرة.

ومن بعد أهل البيت (عليهم السلام) شمّر الفقهاء العاملون عن سواعدهم وراحوا يكملون المسير في إرساء وتدعيم الثوابت التي عرضها الوحي وراح يبثها الناطقون به (عليهم السلام)، وتوجيه الإنسانية في حركتها الدؤوب إلى ما فيه خيرها وصلاح أمرها.

وفيما يأتي من الحديث نتناول بالعرض جملة من آراء سماحة الإمام السيد محمد الشيرازي وأفكاره فيما يتعلق بموضوع التعددية والقبول بالحرية على مستوى التعبير عن الرأي وغير ذلك من الفعاليات الإنسانية. نسير في عرضنا مستهدين بمجموعة من كلماته النيّرة وصولاً إلى الإلمام بالمحددات النظرية العامة لرؤيته (دام ظله) حول الموضوع.

1ـ يقول الإمام الشيرازي: (الأصل في الإنسان الحرية في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على إنسان آخر هو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فإنه هو الذي خلقه ورزقه وكل أموره بيده...)(1).

2 ـ (الإسلام فيه حرية العقيدة وحرية إبداء الرأي وحرية العمل والزراعة والتجارة والصناعة، وحيازة المباحات، وحيازة الأرض والصيد والسفر والإقامة، وبناء المسكن والعمران وصنع البساتين وإلى آخره... فهذه الحريات يجب أن يوفرها الحكم للناس. نعم يجب مراعاة القوانين الإسلامية في أبواب الحريات)(2).

3 ـ (إن اللازم أن يكون منهاج الحكم الذي يطبق عند قيام الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى هو إطلاق حريات الناس كافة، حتى إن المشرك لا يجبر على ترك شركه)(3).

4 ـ (يجب أن يكون الحكم مثالياً من جهة إعطاء الحريات العامة لمختلف الأحزاب الإسلامية والتقدم بالمسلمين وعدم تدخل الحكومة في شؤون الناس)(4).

5 ـ منهج الحكم الإسلامي المرتقب لألف مليون مسلم قوامه الحرية في العقيدة، وفي إبداء الرأي وفي العمل، إذ ليس الإسلام ديكتاتورياً، وقد قال سبحانه: (لا إكراه في الدين) وقال: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه). وكلنا يعلم أن الكفار كانوا يأتون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويناقشون وهو يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(5). وكذلك كانوا يناقشون الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويناقشون الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)(6).

6 ـ (وإذا قام الحكم الإسلامي في البلاد ـ حكماً واحداً ـ فالمهم ألا يجعل الحاكم الجديد منهج الحكم الاستبداد، وإقصاء كافة الحكام القدامى وأنصارهم الصالح وغير الصالح جميعاً حتى يجدوا المجال للمؤامرة، بل اللازم أن يفعل فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) في إشراك الصالح من الحكام السابقين في الحكم)(7).

7 ـ في رؤيته حول الديمقراطية الاستشارية وما تمتاز به عن الديمقراطية الغربية يقرر الإمام محمد الحسيني الشيرازي: (إن الديمقراطية الاستشارية في نظم الحكم تعتمد وبشكل أساس على معرفة ماهية الأحزاب وحقيقتها وأسبابها ونتائجها، لكونها ذات تأثير كبير وفعال في الحياة السياسية والاجتماعية لكل شعب وحكومة وإن لها تأثيراً سلبياً في الأحزاب المنحرفة وإيجابياً فيما لو توفرت في الحزب شروط ومواصفات خاصّة... كما تعتمد تماماً على نظام (تعدد الأحزاب) باعتباره الضمانة العملية للحفاظ على الديمقراطية والحيلولة دون الاستبداد في تاريخ الشعوب)(8).

8 ـ وفي تحديده لمنهج الحكم الإسلامي يشترط الإمام الشيرازي: (أن تكون السلطة العليا في مثل هذا الحكم في يد الفقهاء العدول، فالفقهاء العدول هم الذين عينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعينهم الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لأجل الحكم).

ثم يقول: (وتحت قيادة هؤلاء العلماء الاستشاريين تتكون الأحزاب الحرّة الإسلامية. يعني هناك أحزاب إسلامية حرّة تعمل في الإطار الإسلامي مائة في المائة وإن كانت مختلفة من حيث الاجتهادات في الأمور التطبيقية. مثلاً: يرى ذاك الحزب أن الأفضل الحرب ويرى هذا الحزب أن الأفضل السلم مع جارٍ معتد، أو يرى هذا الحزب أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الزراعي ويرى ذلك الحزب أن الأفضل أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الصناعي، وهكذا الاختلاف في الاجتهادات المؤطرة بالإطار الإسلامي، كالاختلاف بين المراجع الفقهاء في الأحكام الفقهية حسب فهمهم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهذا يجب أن يكون حسب الموازين التي يعترف بها الإسلام.

وهذه الأحزاب الحرّة الإسلامية الموجودة في كل العالم الإسلامي تكون مدرسة للسياسة الإسلامية، والرقي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إذن فبعد الاستشارة في أصل الحكم وتشكيل المجلس الأعلى للفقهاء ـ الذين هم السلطة العليا ـ يأتي دور الأحزاب الحرّة ودور الانتخابات لمجلس الأمة ومجلس الشيوخ ونريد بالشيوخ الفقهاء الكبار العارفين بالسياسة أو السياسيين الكبار المتدينين، حيث يشكل لهؤلاء (مجلس الشيوخ) أيضاً ضمن موازين إسلامية)(9).

9 ـ (الحكومة ذات الحزب السياسي الواحد عرضة للزوال السريع، بينما الحكومة ذات الأحزاب ليست كذلك، والسبب أن الناس لا يتحملون الديكتاتور، وحتى أعضاء الحزب الواحد تكون بينهم الديكتاتورية).

10 ـ يضع الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) في الحاكم الإسلامي شرطين أساسيين:

الأول: أن يكون مرضياً لله سبحانه.

الثاني: أن يكون منتخباً من قبل أكثرية الأمة.

وبعد أن يستدل على كلٍّ من هذين الشرطين يثبت أن على الناس أن يقوموا بانتخابات هي:

(الأول): انتخاب الفقيه العادل الجامع للشرائط، يكون هو المتولي لعامة أمور البلاد وهو ما يسمى بـ (ولاية الفقيه) فإن كان هناك جماعة من الفقهاء العدول اختير من بينهم، ويجوز أن يختاروا جماعة لا واحداً ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم، وهذا النمط هو الأقرب إلى روح الإسلام، حيث إن الإسلام استشاري، كما أنه أقرب إلى الإتقان.

الثاني: انتخاب نواب الأمة الذين يكونون بدورهم تحت إشراف الفقهاء، أي تكون ولاية الفقيه مشرفة على النواب وغيرهم).

11 ـ عندما يحدد الإمام الشيرازي الهيكلية العامة للشكل الذي يختاره للحكم الإسلامي ـ والذي هو نظام الديمقراطية الاستشارية ـ يقول:

(إن الديمقراطية (الاستشارية) ـ ونسميها استشارية أخذاً من (أمرهم شورى) (وشاورهم) لأن في الاستشارية لا تشريع بمعنى جعل القانون وإنما فيها تأطير القانون الوارد في الأدلة الأربعة بينما في الديمقراطية تشريع للقانون أفضل أساليب الحكم لأنها تهيئ الجو الكامل للحرية، وفي الحرية تظهر الكرامة الإنسانية من جانب والكفاءة الإنسانية من جانب آخر.

فتنمو الملكات وتبرز العبقريات. ويعمل النقد البريء على إظهار عيوب الاستنباطات ومؤاخذة التطبيقات للقوانين، وبذلك يظهر في الحياة الأصلح فالأصلح، وهو يوجب إعطاء الإنسان حاجاته ويقدم الإنسان إلى الإمام، لأن التنافس البريء سوط لتقديم الإنسان كما أن المراقبة الدائمة من الرقباء توجب سد الإنسان خلله وستر عيوبه. وخوفاً من ألسنة النواب في أروقة المجلس تقف السلطة التنفيذية موقف الحذر، كما أن النواب لا بد لهم من العمل الجاد المثمر، لأنهم جاءوا إلى المجلس من أجل ذلك، وإذا حادوا سقطت حرمتهم عند الجماهير وفضحتهم الصحافة المسؤولة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وانقطع أملهم في انتخاب الأمة لهم في المستقبل.

والاستشارية ليست بالألفاظ ولا بتسطير دستور يتضمن نصه الحريات والعدالة وما أشبه ذلك بل علامة الاستشارية الصادقة انتخاب الأمة لنوابها بكل حرية وجعل النواب (أو الأمة مباشرة) للسلطة التنفيذية وتمكن النواب من إبداء الرأي وتأطير القوانين، وأن يعطى كل فرد وجماعة حريته في نطاق الدستور الإسلامي، وحينذاك يكون الميزان في التقدم الكفاءة، ولكلٍّ أن يعمل حسبما يريد في إطار الدستور، ويكون لكل إنسان كرامته)(10).

12 ـ (يحرم الحزب إذا كان سبباً لقبض أزمة السياسة في البلاد من دون الانضواء تحت لواء الفقيه العادل الجامع للشرائط، إذ الإسلام قرر الولاية لله سبحانه ثم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الإمام (عليه السلام) ثم الفقيه الذي هو نائبهم)(11).

13 ـ (الذي يصح أن يجعل في الإسلام رئيساً للدولة هو الفقيه العادل الجامع للشرائط. فالحزب يلزم عليه أن يكون مقصده ذلك وإلا كان حائداً عن الإسلام، فلا يجوز له أن ينصب للرئاسة العليا غير المؤهل كما لا يجوز له أن يصوّت لغير المؤهل)(12).

من هذه المجموعة من النصوص والكثير غيرها مما هو مبثوث في ثنايا مؤلفات الإمام الشيرازي يمكننا أن نستخلص الخطوط العامة لرؤية الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) فيما يتعلق بموضوع التعددية، وخصوصاً التعددية في مجال التعبير عن الرأي، والتعددية الحزبية.

فالإمام الشيرازي ـ دام ظله ـ ينطلق من مبدأ أن الحالة الطبيعية أو الأصل في الإنسان أن يكون حرّاً، لكي يقرّر أن الحكم المثالي، أو الحكم الذي يُعدّ به الإسلام مستقبل الإنسانية لا بد أن تجد فيه الحرية الإنسانية طريقها للتعبير عن نفسها. فلا رخصة لأحدٍ في التضييق أو الضغط على أحد من دون حق أو مسوّغ. الكل أحرار ويعيشون بالكيفية التي تحافظ على كرامتهم. نعم ليس للإنسان أن يتمرد على قوانين السماء الموضوعة من قبل خالق الإنسان والعالم بما فيه من خير وما فيه من شر.

وبنفس التوسطية في الطرح ينظّر الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) لموضوع الأحزاب وتعدديتها في الدولة المرتقبة للمسلمين، فيرى أن الحزب الواحد مما لا يمكن أن يتم إقراره بأي شكل من الأشكال، حيث إنه طريق سهل إلى الديكتاتورية التي هي إلغاء لحريات الناس لصالح حرية الحزب الواحد وتحقيق مصالحه الخاصة.

كذلك الأحزاب المتعددة لا يمكن القبول بها مع إطلاق العنان للجماعات البشرية في أن تتسلّم زمام التقنين والتشريع للأمة، بل هناك صورة لنظام الحكم وشكل الدولة تنبثق عن الأطر الإسلامية وتستقي من المنابع الفقهية المقرّرة، التي هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ويقوم باستخراجها الفقهاء العظام.

فالإمام الشيرازي يرى أن الأحزاب المتعددة محكومة لنظام (ولاية الفقيه) وتتم قيادة البلاد الإسلامية حسب نظرية الديمقراطية الاستشارية التي تفسح المجال أمام العقل ليتحرك في دائرة النقد البنّاء، والمساهمة في بناء صرح الدولة الإسلامية العالمية. ونظرية الديمقراطية الاستشارية تُعتبر من مختصّات الإمام الشيرازي (دام ظله) وقد اهتمّ بها وقام بتحديد مفاصلها ورسم خطوطها الأساسية في العديد من كتبه التي تهتمّ بموضوع السياسة أو الدولة وإدارة البلاد الإسلامية.

------

 

1 ـ موسوعة الفقه: ج106، ص213

2 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص220.

3 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 220.

4 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 229.

5 ـ سورة النحل: الآية 125.

6 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 220.

7 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 252.

8 ـ الشورى في الإ&