|
من الموضوعات المهمة التي تحتل حيزاً كبيراً من دائرة اشتغال الكثير
من المفكرين والمثقفين في العالم أجمع، موضوع التعددية. فقد يقف البعض
بوجه مبدأ التعددية عند بني الإنسان على مستوى الأذواق والآراء
والمواقف، ويطلب أن تكون هناك وحدة واحدة تسود وتجمع كل مديات النشاطات
الإنسانية. فالكل لا بد أن يسير ـ فيما يحب أو يختار أو يفكر ـ وفق شكل
واحد ومذاق واحد، وهو ما يريده هذا الاتجاه أو ذاك.
الأمر الذي يبدو واضحاً لدى بعض التيارات السياسية التي تصل إلى سدة
الحكم بشكل لا تقوم فيه السلطة على أساسٍ من الانتخاب أو الاختيار
الجماهيري أو النخبوي، في حالة وجود من ينوب عن الشعب في تقرير مصيره
مثل المجالس النيابية أو غيرها.
لكن عبثاً يحاول هذا النمط من التفكير الذي لا يبتغي وراء تحقيق
مطامحه الخاصة ـ مطامح الحزب أو الفرد ـ شيئاً. إذ إن مبدأ التعددية
يضرب بجذوره أعماق التركيبة الإنسانية. فأن يختلف الناس في أفكارهم
وآرائهم ومواقفهم وعاداتهم فذلك أمر طبيعي، ومقتضى لطبيعة النفس
البشرية والظروف الحياتية بشكل عام. فلو استقصينا أزمنة التأريخ
وراجعنا السيَر لما وجدنا البشرية في لحظة من لحظات الزمن قد اتفقت أو
اجتمعت على كل الأمور والقضايا بمجملاتها أو تفاصيلها.
والإسلام بوصفه ديانة نزلت للإنسانية جمعاء، أخذ على عاتقه تبني
جميع المفاهيم والقيم التي تقتضيها الحياة البشرية، وتتناغم ووصول
الإنسان إلى المرحلة المتكاملة التي أرادتها له السماء. فراح الوحي
المقدس والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ومن بعده أهل بيته
الطاهرين (عليهم السلام) يؤسس لكل معاني الخير والفضل، ويحث على القيم
السامية، التي من بينها ومن مهماتها قضية التعددية، أو الحرية في
الأذواق والمشارب، دون أن تكون التعددية أو الحرية التي يدعو لها الدين
الإسلامي دعوة إلى الفوضى أو اللارجوع إلى ثوابت وضوابط، بل هي محكومة
لضوابط شرعية ونواظم تمليها الصياغة العامة للرؤية الإسلامية للإنسان
ومسيرته في الحياة الدنيا وما يؤول إليه مستقبلاً في الحياة الآخرة.
ومن بعد أهل البيت (عليهم السلام) شمّر الفقهاء العاملون عن سواعدهم
وراحوا يكملون المسير في إرساء وتدعيم الثوابت التي عرضها الوحي وراح
يبثها الناطقون به (عليهم السلام)، وتوجيه الإنسانية في حركتها الدؤوب
إلى ما فيه خيرها وصلاح أمرها.
وفيما يأتي من الحديث نتناول بالعرض جملة من آراء سماحة الإمام
السيد محمد الشيرازي وأفكاره فيما يتعلق بموضوع التعددية والقبول
بالحرية على مستوى التعبير عن الرأي وغير ذلك من الفعاليات الإنسانية.
نسير في عرضنا مستهدين بمجموعة من كلماته النيّرة وصولاً إلى الإلمام
بالمحددات النظرية العامة لرؤيته (دام ظله) حول الموضوع.
1ـ يقول الإمام الشيرازي: (الأصل في الإنسان
الحرية في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط
إنسان على إنسان آخر هو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله
سبحانه، فإنه هو الذي خلقه ورزقه وكل أموره بيده...)(1).
2 ـ (الإسلام فيه حرية العقيدة وحرية إبداء
الرأي وحرية العمل والزراعة والتجارة والصناعة، وحيازة المباحات،
وحيازة الأرض والصيد والسفر والإقامة، وبناء المسكن والعمران وصنع
البساتين وإلى آخره... فهذه الحريات يجب أن يوفرها الحكم للناس. نعم
يجب مراعاة القوانين الإسلامية في أبواب الحريات)(2).
3 ـ (إن اللازم أن يكون منهاج الحكم الذي يطبق
عند قيام الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى هو إطلاق حريات
الناس كافة، حتى إن المشرك لا يجبر على ترك شركه)(3).
4 ـ (يجب أن يكون الحكم مثالياً من جهة إعطاء
الحريات العامة لمختلف الأحزاب الإسلامية والتقدم بالمسلمين وعدم تدخل
الحكومة في شؤون الناس)(4).
5 ـ منهج الحكم الإسلامي المرتقب لألف مليون
مسلم قوامه الحرية في العقيدة، وفي إبداء الرأي وفي العمل، إذ ليس
الإسلام ديكتاتورياً، وقد قال سبحانه: (لا إكراه في الدين) وقال: (وإن
أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه).
وكلنا يعلم أن الكفار كانوا يأتون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
ويناقشون وهو يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: (وادع إلى سبيل
ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(5).
وكذلك كانوا يناقشون الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويناقشون
الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)(6).
6 ـ (وإذا قام الحكم الإسلامي في البلاد ـ حكماً
واحداً ـ فالمهم ألا يجعل الحاكم الجديد منهج الحكم الاستبداد، وإقصاء
كافة الحكام القدامى وأنصارهم الصالح وغير الصالح جميعاً حتى يجدوا
المجال للمؤامرة، بل اللازم أن يفعل فعل الرسول (صلى الله عليه وآله)
في إشراك الصالح من الحكام السابقين في الحكم)(7).
7 ـ في رؤيته حول الديمقراطية الاستشارية وما
تمتاز به عن الديمقراطية الغربية يقرر الإمام محمد الحسيني الشيرازي:
(إن الديمقراطية الاستشارية في نظم الحكم تعتمد وبشكل أساس على معرفة
ماهية الأحزاب وحقيقتها وأسبابها ونتائجها، لكونها ذات تأثير كبير
وفعال في الحياة السياسية والاجتماعية لكل شعب وحكومة وإن لها تأثيراً
سلبياً في الأحزاب المنحرفة وإيجابياً فيما لو توفرت في الحزب شروط
ومواصفات خاصّة... كما تعتمد تماماً على نظام (تعدد الأحزاب) باعتباره
الضمانة العملية للحفاظ على الديمقراطية والحيلولة دون الاستبداد في
تاريخ الشعوب)(8).
8 ـ وفي تحديده لمنهج الحكم الإسلامي يشترط الإمام الشيرازي: (أن
تكون السلطة العليا في مثل هذا الحكم في يد الفقهاء العدول، فالفقهاء
العدول هم الذين عينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعينهم الأئمة
الطاهرين (عليهم السلام) لأجل الحكم).
ثم يقول: (وتحت قيادة هؤلاء العلماء الاستشاريين تتكون الأحزاب
الحرّة الإسلامية. يعني هناك أحزاب إسلامية حرّة تعمل في الإطار
الإسلامي مائة في المائة وإن كانت مختلفة من حيث الاجتهادات في الأمور
التطبيقية. مثلاً: يرى ذاك الحزب أن الأفضل الحرب ويرى هذا الحزب أن
الأفضل السلم مع جارٍ معتد، أو يرى هذا الحزب أن نتقدم إلى تقوية
الاقتصاد الزراعي ويرى ذلك الحزب أن الأفضل أن نتقدم إلى تقوية
الاقتصاد الصناعي، وهكذا الاختلاف في الاجتهادات المؤطرة بالإطار
الإسلامي، كالاختلاف بين المراجع الفقهاء في الأحكام الفقهية حسب فهمهم
من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهذا يجب أن يكون حسب الموازين التي
يعترف بها الإسلام.
وهذه الأحزاب الحرّة الإسلامية الموجودة
في كل العالم الإسلامي تكون مدرسة للسياسة الإسلامية، والرقي الاقتصادي
والاجتماعي والسياسي. إذن فبعد الاستشارة في أصل الحكم وتشكيل المجلس
الأعلى للفقهاء ـ الذين هم السلطة العليا ـ يأتي دور الأحزاب الحرّة
ودور الانتخابات لمجلس الأمة ومجلس الشيوخ ونريد بالشيوخ الفقهاء
الكبار العارفين بالسياسة أو السياسيين الكبار المتدينين، حيث يشكل
لهؤلاء (مجلس الشيوخ) أيضاً ضمن موازين إسلامية)(9).
9 ـ (الحكومة ذات الحزب السياسي الواحد عرضة للزوال السريع، بينما
الحكومة ذات الأحزاب ليست كذلك، والسبب أن الناس لا يتحملون
الديكتاتور، وحتى أعضاء الحزب الواحد تكون بينهم الديكتاتورية).
10 ـ يضع الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) في الحاكم
الإسلامي شرطين أساسيين:
الأول: أن يكون مرضياً لله سبحانه.
الثاني: أن يكون منتخباً من قبل أكثرية الأمة.
وبعد أن يستدل على كلٍّ من هذين الشرطين يثبت أن على الناس أن
يقوموا بانتخابات هي:
(الأول): انتخاب الفقيه العادل الجامع للشرائط، يكون هو المتولي
لعامة أمور البلاد وهو ما يسمى بـ (ولاية الفقيه) فإن كان هناك جماعة
من الفقهاء العدول اختير من بينهم، ويجوز أن يختاروا جماعة لا واحداً
ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم، وهذا النمط هو الأقرب إلى
روح الإسلام، حيث إن الإسلام استشاري، كما أنه أقرب إلى الإتقان.
الثاني: انتخاب نواب الأمة الذين يكونون بدورهم تحت إشراف الفقهاء،
أي تكون ولاية الفقيه مشرفة على النواب وغيرهم).
11 ـ عندما يحدد الإمام الشيرازي الهيكلية العامة للشكل الذي يختاره
للحكم الإسلامي ـ والذي هو نظام الديمقراطية الاستشارية ـ يقول:
(إن الديمقراطية (الاستشارية) ـ ونسميها استشارية أخذاً من (أمرهم
شورى) (وشاورهم) لأن في الاستشارية لا تشريع بمعنى جعل القانون وإنما
فيها تأطير القانون الوارد في الأدلة الأربعة بينما في الديمقراطية
تشريع للقانون أفضل أساليب الحكم لأنها تهيئ الجو الكامل للحرية، وفي
الحرية تظهر الكرامة الإنسانية من جانب والكفاءة الإنسانية من جانب
آخر.
فتنمو الملكات وتبرز العبقريات. ويعمل النقد البريء على إظهار عيوب
الاستنباطات ومؤاخذة التطبيقات للقوانين، وبذلك يظهر في الحياة الأصلح
فالأصلح، وهو يوجب إعطاء الإنسان حاجاته ويقدم الإنسان إلى الإمام، لأن
التنافس البريء سوط لتقديم الإنسان كما أن المراقبة الدائمة من الرقباء
توجب سد الإنسان خلله وستر عيوبه. وخوفاً من ألسنة النواب في أروقة
المجلس تقف السلطة التنفيذية موقف الحذر، كما أن النواب لا بد لهم من
العمل الجاد المثمر، لأنهم جاءوا إلى المجلس من أجل ذلك، وإذا حادوا
سقطت حرمتهم عند الجماهير وفضحتهم الصحافة المسؤولة (الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر) وانقطع أملهم في انتخاب الأمة لهم في المستقبل.
والاستشارية ليست بالألفاظ ولا بتسطير
دستور يتضمن نصه الحريات والعدالة وما أشبه ذلك بل علامة الاستشارية
الصادقة انتخاب الأمة لنوابها بكل حرية وجعل النواب (أو الأمة مباشرة)
للسلطة التنفيذية وتمكن النواب من إبداء الرأي وتأطير القوانين، وأن
يعطى كل فرد وجماعة حريته في نطاق الدستور الإسلامي، وحينذاك يكون
الميزان في التقدم الكفاءة، ولكلٍّ أن يعمل حسبما يريد في إطار
الدستور، ويكون لكل إنسان كرامته)(10).
12 ـ (يحرم الحزب إذا كان سبباً لقبض أزمة
السياسة في البلاد من دون الانضواء تحت لواء الفقيه العادل الجامع
للشرائط، إذ الإسلام قرر الولاية لله سبحانه ثم الرسول (صلى الله عليه
وآله وسلم) ثم الإمام (عليه السلام) ثم الفقيه الذي هو نائبهم)(11).
13 ـ (الذي يصح أن يجعل في الإسلام رئيساً
للدولة هو الفقيه العادل الجامع للشرائط. فالحزب يلزم عليه أن يكون
مقصده ذلك وإلا كان حائداً عن الإسلام، فلا يجوز له أن ينصب للرئاسة
العليا غير المؤهل كما لا يجوز له أن يصوّت لغير المؤهل)(12).
من هذه المجموعة من النصوص والكثير غيرها مما هو مبثوث في ثنايا
مؤلفات الإمام الشيرازي يمكننا أن نستخلص الخطوط العامة لرؤية الإمام
محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) فيما يتعلق بموضوع التعددية، وخصوصاً
التعددية في مجال التعبير عن الرأي، والتعددية الحزبية.
فالإمام الشيرازي ـ دام ظله ـ ينطلق من مبدأ أن الحالة الطبيعية أو
الأصل في الإنسان أن يكون حرّاً، لكي يقرّر أن الحكم المثالي، أو الحكم
الذي يُعدّ به الإسلام مستقبل الإنسانية لا بد أن تجد فيه الحرية
الإنسانية طريقها للتعبير عن نفسها. فلا رخصة لأحدٍ في التضييق أو
الضغط على أحد من دون حق أو مسوّغ. الكل أحرار ويعيشون بالكيفية التي
تحافظ على كرامتهم. نعم ليس للإنسان أن يتمرد على قوانين السماء
الموضوعة من قبل خالق الإنسان والعالم بما فيه من خير وما فيه من شر.
وبنفس التوسطية في الطرح ينظّر الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام
ظله) لموضوع الأحزاب وتعدديتها في الدولة المرتقبة للمسلمين، فيرى أن
الحزب الواحد مما لا يمكن أن يتم إقراره بأي شكل من الأشكال، حيث إنه
طريق سهل إلى الديكتاتورية التي هي إلغاء لحريات الناس لصالح حرية
الحزب الواحد وتحقيق مصالحه الخاصة.
كذلك الأحزاب المتعددة لا يمكن القبول بها مع إطلاق العنان للجماعات
البشرية في أن تتسلّم زمام التقنين والتشريع للأمة، بل هناك صورة لنظام
الحكم وشكل الدولة تنبثق عن الأطر الإسلامية وتستقي من المنابع الفقهية
المقرّرة، التي هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ويقوم باستخراجها
الفقهاء العظام.
فالإمام الشيرازي يرى أن الأحزاب المتعددة محكومة لنظام (ولاية
الفقيه) وتتم قيادة البلاد الإسلامية حسب نظرية الديمقراطية الاستشارية
التي تفسح المجال أمام العقل ليتحرك في دائرة النقد البنّاء، والمساهمة
في بناء صرح الدولة الإسلامية العالمية. ونظرية الديمقراطية الاستشارية
تُعتبر من مختصّات الإمام الشيرازي (دام ظله) وقد اهتمّ بها وقام
بتحديد مفاصلها ورسم خطوطها الأساسية في العديد من كتبه التي تهتمّ
بموضوع السياسة أو الدولة وإدارة البلاد الإسلامية.
------
1 ـ موسوعة الفقه: ج106، ص213
2 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين:
ص220.
3 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين:
ص 220.
4 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين:
ص 229.
5 ـ سورة النحل: الآية 125.
6 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين:
ص 220.
7 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين:
ص 252.
8 ـ الشورى في الإ& |