موقع ياقوت المحبة - لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

 

 ||  تأملات في فكر نابغة الدهر وسلطان المؤلفين  ||

 
 

 المرأة  في فكر الإمام الشيرازي

 

 التعددية  في فكر الإمام الشيرازي

   الفقه الشيرازي ، وحل الإشكالات الفلسفية .
    قراءة في كتاب ( تلك الأيام )
   قراءة في كتاب  ( هؤلاء اليهود )

 

المرأة  في فكر الإمام الشيرازي

قدس سره الشريف

 

بقلم : حيدر البصري

 

لقد أفرد الكتاب ـ من المناهضين للإسلام وأترابهم ـ العديد من المؤلفات في مجال حقوق المرأة، وحاول البعض منهم ذرف دموع التماسيح على وضــع المرأة في الإسلام، وانعدام المساواة بين كل من الرجل والمرأة في الدين الإسلامي، مما حدا بمجموعة من النساء المسلمات للانسياق وراء هذه الدعوات المناهضة.

كما أنهم اغتنموا فرصة الجهل الذي زرعته أيديهم في مجتمعاتنا ـ إلا بمقدار ما يرتبط بثقافتهم ـ ليبثوا سمومهم هذه بيننا. علاوة على ما تقدم، خلطوا بين المفاهيم كيما ينالوا هدفهم الذي يرمون إليه، وقد تحقق لهم الكثير مما أرادوا، فكيف كانت صيغة ذلك الخلط يا ترى؟

خلط متعمد
قالوا بأن الدين الإسلامي تفتقر فيه المرأة إلى حقوقها الأساسية، فهي تعيش في ظل الإسلام على هامش الحياة، حيث الريادة للرجل في كل شيء ولا ذكر للمرأة إلا بما يخدم مصالح الرجل وحاجاته، فلا مساواة في الإسلام بينهما.
وقبل الرد على ما يقولون من انعدام المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام لابد لنا من وقفة عند مفهوم (المساواة) الذي طالما رفعوا منه شعاراً يتصيدون به أبناءنا فيبعدونهم عن دينهم، ويفقدونهم ثقتهم به، فهل المساواة المقصودة هي التي يعكسها لنا واقع الحياة الغربية من مجاراة المرأة للرجل في مجالات الحياة كافة وبدون استثناء؟ أم المساواة المقصودة هي المساواة الحقيقية؟

فإن كان المقصود بالمساواة التي يدعون إليها مجاراة المرأة للرجل في كل مجالات الحياة وإن كانت لا تتناسب مع تركيبتها العضوية والنفسية، كالأعمال الثقيلة، ومهام القضاء فليس هذا الأمر في واقعه من المساواة في شيء بل لا يمتّ إلى المساواة بصلة تذكر.

إن هذه الدعوة المنبثقة من واقع العالم الغربي ـ الذي نزلت المرأة فيه جميع الميادين بلا استثناء ـ إنما هي دعوة إلى سلخ المرأة عن كونها إمرأة واعطائها ـ قهراً ـ صفات الرجل، وهو ما لا يتناسب مع تركيبة المرأة العضوية والنفسية، وبالتالي فدعوة كهذه شبيهة بتكليف الأب ابنه الذي يبلغ من العمر ثلاث سنين عين المسؤوليات التي يكلفها ابنه الذي يبلغ الخامسة والعشرين من عمره تحت ذريعة المساواة بينهما، أو من قبيل تحميل القانون ـ على سبيل المثال ـ أو الدولة، العاجز جسدياً عن مسؤولية حمل السلاح، فهل العقل يقبل مثل هذه الأمور؟ أم هل ينطبق على أمور كهذه مفهوم المساواة؟
لاشك ولاريب بأن أموراً كالتي سبق ذكرها لا تدخل في دائرة مفهوم المساواة بل على العكس من ذلك تعد هذه الأمور محاولات قهرية لجعل موضوعين مختلفين متشابهين من كافة جهاتهما وهو ما لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع وذلك انها من الممتنعات العقلية.

فتركيبة المرأة العضوية والنفسية تختلف عن التركيبة التي خلق الله الرجل عليها، فمقتضى اختلاف التركيبة ان يكون هناك اختلاف في طبيعة حقوق وواجبات كل منهما بما يتناسب مع تركيبة كل منهما، وليس في هذا الاختلاف رفع لشأن أحدهما على حساب الآخر، بل على العكس من ذلك يعد تكليف المرأة بعين ما يكلف به الرجل إجحافاً في حقها، وسلباً لأنوثتها، كما يعد سلب ما يكلف به الرجل ـ في مقابل ذلك ـ تقليلاً من شأنه.

إذن فالمعنى الحقيقي للمساواة في أن يكلف كل عضو من أعضاء المجتمع ـ رجلاً أم امرأة صغيراً أم كبيراً... إلخ ـ بما يتناسب مع طاقته وطبيعته، فهذا هو عين التساوي، أما تكليف الجميع بنفس التكاليف بغض النظر عن طبيعة كل واحد منهم، فهو مما يخالف العقل.

نعود للقول بأن من تباكى على المرأة المسلمة لافتقارها المساواة مع الرجل إنما خلط قصداً بين مفهومي المساواة والتشبيه، فهو في الحقيقة لا يدعو إلى المساواة وإنما يدعو إلى التشبيه القهري كما ذكرنا وهو ما ترفضه الفطرة البشرية فضلاً عن المرأة المسلمة نفسها. أي لو كان يعني بالمساواة واقع الحياة الغربية فنحن نرفض هذا النوع من المساواة، وإن كان واقع المرأة الغربية لا يمت إلى المساواة بصلة.

واقع المسلمين ليس دليلاً على رأي الإسلام
قد يكون بعض أصحاب الدعوات المضلة الذين سبقت الإشارة إليهم قد استندوا في اطلاقهم التهم على الدين الإسلامي بعدم مساواته المرأة بالرجل إلى الواقع الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية، ولكن هذا غير مقبول تماماً، فمن الواضح أن الدين الإسلامي منحّىً عن إدارة أمور المجتمعات الإسلامية، فيكون تطبيق أحكامه ـ بناءً على تنحيته وعدم تطبيقه ـ كيفياً، هذا أولاً. ثم إن الحكم على نظرية لابد أن يستند إلى آراء أصحاب تلك النظرية وتصريحاتهم بها، لا أن يستند الحكم عليها من خلال سلوكيات العامة ممن تنتشر النظرية في أوساطهم.
فمن يريد الوقوف على آراء الدين الإسلامي عليه أن يتتبع ذلك من خلال مصادر التشريع، ومن آراء القائمين عليه من أصحاب الخبرة والاختصاص.
ولكي نوقف هؤلاء الذين تغافلوا عن آراء الدين الإسلامي في مسألة المرأة يكفي أن نطرح بين أيدي القراء الكرام ـ وأيديهم ـ المساحة التي شغلتها قضية المرأة في الساحة الفكرية لواحد من علماء الإسلام لتنقطع بذلك الحجة على من يدعي عدم علمه بالأمر، وليعي ذلك ابناء الإسلام، فيحيطون علماً بما تنسجه أيدي أعدائهم من المؤامرات ضدهم، وهو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الشيرازي (دام ظله). وبالإضافة إلى المساحة الفكرية التي تشغلها قضية المرأة في فكر سماحته سنمر كذلك على الواقع الذي تعيشه المرأة في ظل ورعاية الإمام الشيرازي (حفظه الله ورعاه).

المرأة في فكر الإمام الشيرازي
لقد أولى الإمام الشيرازي عناية شاملة بكافة الموضوعات الحياتية، ابتداءً بما يخص الفرد، ومروراً بعلاقته بالمجتمع، وانتهاءً بعلاقة الفرد بربه، ولم يكن موضوع المرأة ليغيب عن فكر الإمام الشيرازي بل على العكس من ذلك تجده يولي قضية المرأة عناية فائقة الأهمية تمخضت عن العديد من الكتب التي جسّد فيها سماحته خلاصة رأي الإسلام في المرأة.

فمرة تجده يطرح رأي الإسلام في المرأة وفي فاعلية دورها في حياة المجتمع من خلال تناول نماذج من عظيمات نساء الإسلام من قبيل فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأم البنين (عليها السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) فكتب (من فقه الزهراء) و (أم البنين) و (زينب بطلة كربلاء) و (مريم الطاهرة)...

ومرة تجده يكتب في قضايا الأســرة فيوقفنا على ما يجب ان يكون عليه وضع المرأة في الأسرة في ظل أحكام ومبادئ الدين الإسلامي فكتب في (الأسرة) و (العائلة) و (الزواج) و (المرأة والنكاح). فتراه ينبري مدافعاً عن المرأة وحقوقها في كل ذلك، مضعفاً جميع الروايات التي تخالف العقل، وتمس بشخصية المرأة منزهاً الدين الإسلامي عن مثل تلك الآراء التي دست بين مبادئ الإسلام وأحكامه للنيل منه، من قبيل ما ينسب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من القول: (شاوروهن وخالفوهن). وما ينسب إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) مما يدل على كراهة مشاورة المرأة إلا بقصد المخالفة. ومرة تجده يكتب في ما يجب ان يكون عليه اكرام المرأة وتقدير جهودها، فتجده يكتب كتاباً بعنوان (والدتي)..

واقع المرأة في ظل رعاية الإمام الشيرازي

ما مر ذكره كان في مجال الساحة الفكرية للإمام الشيرازي (حفظه الله) ومقدار ما تشغله قضية المرأة المسلمة، نتطرق هنا وننزل مع الإمام الشيرازي إلى ميدان الواقع لنرى ما تعيشه المرأة في ظل رعايته (دام ظله).

فمن خلال ما ينقل لنا من دماثة أخلاق الإمام الشيرازي (دام ظله) وسموها، ومن خلال ما لمسناه نحن من ذلك، نجد أن المرأة ليست بمستثناة من سمو تلك الأخلاق ونبلها، فالمرأة تشهد احتراماً قل نظيره من قبل سماحته. وليس أدل على ما ندعي، من مشاركة العديد من أسرة آل الإمام الشيرازي (حفظه الله) في ميدان الحياة الفكرية، وبروز نسوة في الميدان الفكري لا يجتمع مع تهميش دورهن في الحياة وعدم الاعتناء بهن، وإنما يدل ذلك على عظم الرعاية التي تلقاها النسوة من قبل الإمام شخصياً.

فقرينة الإمام الشيرازي كانت من صاحبات القلم حيث أمدت الساحة ببعض الكتب منها (من كلمات الإمام الحسين عليه السلام) و (من كلمات الإمام العسكري عليه السلام) وكتاب (الأخلاق).

وزوجة ابنه السيد محمد رضا الشيرازي كتبت (مائة قصة) و(فاطمة الزهراء (عليها السلام) أسوة المرأة المسلمة). ولزوجة السيد جعفر الشيرازي (روائع من حياة الإمام الكاظم عليه السلام). وكتاب (في رحاب الإمام الصادق عليه السلام) لزوجة السيد مرتضى الشيرازي. هذا علاوة على ما كتبته زوجة السيد محمد علي الشيرازي، والسيد مهدي الشيرازي، وابنة الإمام الشيرازي كذلك.

إن هذا الكم من التأليفات التي جاءت بها المرأة من أسرة الإمام الشيرازي، تعكس بوضوح الواقع الذي تعيشه المرأة في ظل رعاية الإمام (حفظه الله)، ومدى العناية التي يوليها مباشرة بالمرأة، أو بصورة غير مباشرة، من خلال ما زرعه من نهج في ذهنية أبنائه الكرام.

وكل ذلك في ضوء النهج الإسلامي الذي يكرم المرأة أيما تكريم، ويرتفع بها من ذل عبودية الشهوة، وخدمة أغراض الرجل تحت ذريعة المساواة ـ المزعومة ـ كما هو الحال في ظل المجتمع الغربي، إلى عز إكرام الدين الإسلامي الذي يجعل منها كنزاً يجب حفظه عن أن تعبث به أيدي العابثين ممن لا إنسانية لهم.

فالدين الإسلامي لم يحظر على المرأة الخروج من المنزل، ولم يحظر عليها المشاركة في الحياة الاجتماعية كما يدعي أولئك، ولكن الدين الإسلامي أراد للمرأة ـ فيما لو أرادت المشاركة في الحياة الاجتماعية ـ أن تكون مشاركتها في ظل الضوابط الإسلامية، وبما يحفظ لها كرامتها وعفتها.

إذن هل المساواة التي يدعو إليها غيرنا أحق بالاتباع وأحفظ لحقوق المرأة؟ أم ما تحقق لها في ظل الإسلام، حيث المساواة الحقيقية والكرامة الإنسانية ومشاركتها للرجل في الكثير من شؤون الدين والدنيا؟
 

 

 

التعددية في فكر الإمام الشيرازي

قدس سره الشريف

 

بقلم : نبيل البصري

 

من الموضوعات المهمة التي تحتل حيزاً كبيراً من دائرة اشتغال الكثير من المفكرين والمثقفين في العالم أجمع، موضوع التعددية. فقد يقف البعض بوجه مبدأ التعددية عند بني الإنسان على مستوى الأذواق والآراء والمواقف، ويطلب أن تكون هناك وحدة واحدة تسود وتجمع كل مديات النشاطات الإنسانية. فالكل لا بد أن يسير ـ فيما يحب أو يختار أو يفكر ـ وفق شكل واحد ومذاق واحد، وهو ما يريده هذا الاتجاه أو ذاك.

الأمر الذي يبدو واضحاً لدى بعض التيارات السياسية التي تصل إلى سدة الحكم بشكل لا تقوم فيه السلطة على أساسٍ من الانتخاب أو الاختيار الجماهيري أو النخبوي، في حالة وجود من ينوب عن الشعب في تقرير مصيره مثل المجالس النيابية أو غيرها.

لكن عبثاً يحاول هذا النمط من التفكير الذي لا يبتغي وراء تحقيق مطامحه الخاصة ـ مطامح الحزب أو الفرد ـ شيئاً. إذ إن مبدأ التعددية يضرب بجذوره أعماق التركيبة الإنسانية. فأن يختلف الناس في أفكارهم وآرائهم ومواقفهم وعاداتهم فذلك أمر طبيعي، ومقتضى لطبيعة النفس البشرية والظروف الحياتية بشكل عام. فلو استقصينا أزمنة التأريخ وراجعنا السيَر لما وجدنا البشرية في لحظة من لحظات الزمن قد اتفقت أو اجتمعت على كل الأمور والقضايا بمجملاتها أو تفاصيلها.

والإسلام بوصفه ديانة نزلت للإنسانية جمعاء، أخذ على عاتقه تبني جميع المفاهيم والقيم التي تقتضيها الحياة البشرية، وتتناغم ووصول الإنسان إلى المرحلة المتكاملة التي أرادتها له السماء. فراح الوحي المقدس والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ومن بعده أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) يؤسس لكل معاني الخير والفضل، ويحث على القيم السامية، التي من بينها ومن مهماتها قضية التعددية، أو الحرية في الأذواق والمشارب، دون أن تكون التعددية أو الحرية التي يدعو لها الدين الإسلامي دعوة إلى الفوضى أو اللارجوع إلى ثوابت وضوابط، بل هي محكومة لضوابط شرعية ونواظم تمليها الصياغة العامة للرؤية الإسلامية للإنسان ومسيرته في الحياة الدنيا وما يؤول إليه مستقبلاً في الحياة الآخرة.

ومن بعد أهل البيت (عليهم السلام) شمّر الفقهاء العاملون عن سواعدهم وراحوا يكملون المسير في إرساء وتدعيم الثوابت التي عرضها الوحي وراح يبثها الناطقون به (عليهم السلام)، وتوجيه الإنسانية في حركتها الدؤوب إلى ما فيه خيرها وصلاح أمرها.

وفيما يأتي من الحديث نتناول بالعرض جملة من آراء سماحة الإمام السيد محمد الشيرازي وأفكاره فيما يتعلق بموضوع التعددية والقبول بالحرية على مستوى التعبير عن الرأي وغير ذلك من الفعاليات الإنسانية. نسير في عرضنا مستهدين بمجموعة من كلماته النيّرة وصولاً إلى الإلمام بالمحددات النظرية العامة لرؤيته (دام ظله) حول الموضوع.

1ـ يقول الإمام الشيرازي: (الأصل في الإنسان الحرية في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على إنسان آخر هو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فإنه هو الذي خلقه ورزقه وكل أموره بيده...)(1).

2 ـ (الإسلام فيه حرية العقيدة وحرية إبداء الرأي وحرية العمل والزراعة والتجارة والصناعة، وحيازة المباحات، وحيازة الأرض والصيد والسفر والإقامة، وبناء المسكن والعمران وصنع البساتين وإلى آخره... فهذه الحريات يجب أن يوفرها الحكم للناس. نعم يجب مراعاة القوانين الإسلامية في أبواب الحريات)(2).

3 ـ (إن اللازم أن يكون منهاج الحكم الذي يطبق عند قيام الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى هو إطلاق حريات الناس كافة، حتى إن المشرك لا يجبر على ترك شركه)(3).

4 ـ (يجب أن يكون الحكم مثالياً من جهة إعطاء الحريات العامة لمختلف الأحزاب الإسلامية والتقدم بالمسلمين وعدم تدخل الحكومة في شؤون الناس)(4).

5 ـ منهج الحكم الإسلامي المرتقب لألف مليون مسلم قوامه الحرية في العقيدة، وفي إبداء الرأي وفي العمل، إذ ليس الإسلام ديكتاتورياً، وقد قال سبحانه: (لا إكراه في الدين) وقال: (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه). وكلنا يعلم أن الكفار كانوا يأتون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويناقشون وهو يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه: (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(5). وكذلك كانوا يناقشون الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويناقشون الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)(6).

6 ـ (وإذا قام الحكم الإسلامي في البلاد ـ حكماً واحداً ـ فالمهم ألا يجعل الحاكم الجديد منهج الحكم الاستبداد، وإقصاء كافة الحكام القدامى وأنصارهم الصالح وغير الصالح جميعاً حتى يجدوا المجال للمؤامرة، بل اللازم أن يفعل فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) في إشراك الصالح من الحكام السابقين في الحكم)(7).

7 ـ في رؤيته حول الديمقراطية الاستشارية وما تمتاز به عن الديمقراطية الغربية يقرر الإمام محمد الحسيني الشيرازي: (إن الديمقراطية الاستشارية في نظم الحكم تعتمد وبشكل أساس على معرفة ماهية الأحزاب وحقيقتها وأسبابها ونتائجها، لكونها ذات تأثير كبير وفعال في الحياة السياسية والاجتماعية لكل شعب وحكومة وإن لها تأثيراً سلبياً في الأحزاب المنحرفة وإيجابياً فيما لو توفرت في الحزب شروط ومواصفات خاصّة... كما تعتمد تماماً على نظام (تعدد الأحزاب) باعتباره الضمانة العملية للحفاظ على الديمقراطية والحيلولة دون الاستبداد في تاريخ الشعوب)(8).

8 ـ وفي تحديده لمنهج الحكم الإسلامي يشترط الإمام الشيرازي: (أن تكون السلطة العليا في مثل هذا الحكم في يد الفقهاء العدول، فالفقهاء العدول هم الذين عينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعينهم الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) لأجل الحكم).

ثم يقول: (وتحت قيادة هؤلاء العلماء الاستشاريين تتكون الأحزاب الحرّة الإسلامية. يعني هناك أحزاب إسلامية حرّة تعمل في الإطار الإسلامي مائة في المائة وإن كانت مختلفة من حيث الاجتهادات في الأمور التطبيقية. مثلاً: يرى ذاك الحزب أن الأفضل الحرب ويرى هذا الحزب أن الأفضل السلم مع جارٍ معتد، أو يرى هذا الحزب أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الزراعي ويرى ذلك الحزب أن الأفضل أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الصناعي، وهكذا الاختلاف في الاجتهادات المؤطرة بالإطار الإسلامي، كالاختلاف بين المراجع الفقهاء في الأحكام الفقهية حسب فهمهم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهذا يجب أن يكون حسب الموازين التي يعترف بها الإسلام.

وهذه الأحزاب الحرّة الإسلامية الموجودة في كل العالم الإسلامي تكون مدرسة للسياسة الإسلامية، والرقي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إذن فبعد الاستشارة في أصل الحكم وتشكيل المجلس الأعلى للفقهاء ـ الذين هم السلطة العليا ـ يأتي دور الأحزاب الحرّة ودور الانتخابات لمجلس الأمة ومجلس الشيوخ ونريد بالشيوخ الفقهاء الكبار العارفين بالسياسة أو السياسيين الكبار المتدينين، حيث يشكل لهؤلاء (مجلس الشيوخ) أيضاً ضمن موازين إسلامية)(9).

9 ـ (الحكومة ذات الحزب السياسي الواحد عرضة للزوال السريع، بينما الحكومة ذات الأحزاب ليست كذلك، والسبب أن الناس لا يتحملون الديكتاتور، وحتى أعضاء الحزب الواحد تكون بينهم الديكتاتورية).

10 ـ يضع الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) في الحاكم الإسلامي شرطين أساسيين:

الأول: أن يكون مرضياً لله سبحانه.

الثاني: أن يكون منتخباً من قبل أكثرية الأمة.

وبعد أن يستدل على كلٍّ من هذين الشرطين يثبت أن على الناس أن يقوموا بانتخابات هي:

(الأول): انتخاب الفقيه العادل الجامع للشرائط، يكون هو المتولي لعامة أمور البلاد وهو ما يسمى بـ (ولاية الفقيه) فإن كان هناك جماعة من الفقهاء العدول اختير من بينهم، ويجوز أن يختاروا جماعة لا واحداً ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم، وهذا النمط هو الأقرب إلى روح الإسلام، حيث إن الإسلام استشاري، كما أنه أقرب إلى الإتقان.

الثاني: انتخاب نواب الأمة الذين يكونون بدورهم تحت إشراف الفقهاء، أي تكون ولاية الفقيه مشرفة على النواب وغيرهم).

11 ـ عندما يحدد الإمام الشيرازي الهيكلية العامة للشكل الذي يختاره للحكم الإسلامي ـ والذي هو نظام الديمقراطية الاستشارية ـ يقول:

(إن الديمقراطية (الاستشارية) ـ ونسميها استشارية أخذاً من (أمرهم شورى) (وشاورهم) لأن في الاستشارية لا تشريع بمعنى جعل القانون وإنما فيها تأطير القانون الوارد في الأدلة الأربعة بينما في الديمقراطية تشريع للقانون أفضل أساليب الحكم لأنها تهيئ الجو الكامل للحرية، وفي الحرية تظهر الكرامة الإنسانية من جانب والكفاءة الإنسانية من جانب آخر.

فتنمو الملكات وتبرز العبقريات. ويعمل النقد البريء على إظهار عيوب الاستنباطات ومؤاخذة التطبيقات للقوانين، وبذلك يظهر في الحياة الأصلح فالأصلح، وهو يوجب إعطاء الإنسان حاجاته ويقدم الإنسان إلى الإمام، لأن التنافس البريء سوط لتقديم الإنسان كما أن المراقبة الدائمة من الرقباء توجب سد الإنسان خلله وستر عيوبه. وخوفاً من ألسنة النواب في أروقة المجلس تقف السلطة التنفيذية موقف الحذر، كما أن النواب لا بد لهم من العمل الجاد المثمر، لأنهم جاءوا إلى المجلس من أجل ذلك، وإذا حادوا سقطت حرمتهم عند الجماهير وفضحتهم الصحافة المسؤولة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وانقطع أملهم في انتخاب الأمة لهم في المستقبل.

والاستشارية ليست بالألفاظ ولا بتسطير دستور يتضمن نصه الحريات والعدالة وما أشبه ذلك بل علامة الاستشارية الصادقة انتخاب الأمة لنوابها بكل حرية وجعل النواب (أو الأمة مباشرة) للسلطة التنفيذية وتمكن النواب من إبداء الرأي وتأطير القوانين، وأن يعطى كل فرد وجماعة حريته في نطاق الدستور الإسلامي، وحينذاك يكون الميزان في التقدم الكفاءة، ولكلٍّ أن يعمل حسبما يريد في إطار الدستور، ويكون لكل إنسان كرامته)(10).

12 ـ (يحرم الحزب إذا كان سبباً لقبض أزمة السياسة في البلاد من دون الانضواء تحت لواء الفقيه العادل الجامع للشرائط، إذ الإسلام قرر الولاية لله سبحانه ثم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الإمام (عليه السلام) ثم الفقيه الذي هو نائبهم)(11).

13 ـ (الذي يصح أن يجعل في الإسلام رئيساً للدولة هو الفقيه العادل الجامع للشرائط. فالحزب يلزم عليه أن يكون مقصده ذلك وإلا كان حائداً عن الإسلام، فلا يجوز له أن ينصب للرئاسة العليا غير المؤهل كما لا يجوز له أن يصوّت لغير المؤهل)(12).

من هذه المجموعة من النصوص والكثير غيرها مما هو مبثوث في ثنايا مؤلفات الإمام الشيرازي يمكننا أن نستخلص الخطوط العامة لرؤية الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) فيما يتعلق بموضوع التعددية، وخصوصاً التعددية في مجال التعبير عن الرأي، والتعددية الحزبية.

فالإمام الشيرازي ـ دام ظله ـ ينطلق من مبدأ أن الحالة الطبيعية أو الأصل في الإنسان أن يكون حرّاً، لكي يقرّر أن الحكم المثالي، أو الحكم الذي يُعدّ به الإسلام مستقبل الإنسانية لا بد أن تجد فيه الحرية الإنسانية طريقها للتعبير عن نفسها. فلا رخصة لأحدٍ في التضييق أو الضغط على أحد من دون حق أو مسوّغ. الكل أحرار ويعيشون بالكيفية التي تحافظ على كرامتهم. نعم ليس للإنسان أن يتمرد على قوانين السماء الموضوعة من قبل خالق الإنسان والعالم بما فيه من خير وما فيه من شر.

وبنفس التوسطية في الطرح ينظّر الإمام محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) لموضوع الأحزاب وتعدديتها في الدولة المرتقبة للمسلمين، فيرى أن الحزب الواحد مما لا يمكن أن يتم إقراره بأي شكل من الأشكال، حيث إنه طريق سهل إلى الديكتاتورية التي هي إلغاء لحريات الناس لصالح حرية الحزب الواحد وتحقيق مصالحه الخاصة.

كذلك الأحزاب المتعددة لا يمكن القبول بها مع إطلاق العنان للجماعات البشرية في أن تتسلّم زمام التقنين والتشريع للأمة، بل هناك صورة لنظام الحكم وشكل الدولة تنبثق عن الأطر الإسلامية وتستقي من المنابع الفقهية المقرّرة، التي هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ويقوم باستخراجها الفقهاء العظام.

فالإمام الشيرازي يرى أن الأحزاب المتعددة محكومة لنظام (ولاية الفقيه) وتتم قيادة البلاد الإسلامية حسب نظرية الديمقراطية الاستشارية التي تفسح المجال أمام العقل ليتحرك في دائرة النقد البنّاء، والمساهمة في بناء صرح الدولة الإسلامية العالمية. ونظرية الديمقراطية الاستشارية تُعتبر من مختصّات الإمام الشيرازي (دام ظله) وقد اهتمّ بها وقام بتحديد مفاصلها ورسم خطوطها الأساسية في العديد من كتبه التي تهتمّ بموضوع السياسة أو الدولة وإدارة البلاد الإسلامية.

------

 

1 ـ موسوعة الفقه: ج106، ص213

2 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص220.

3 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 220.

4 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 229.

5 ـ سورة النحل: الآية 125.

6 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 220.

7 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 252.

8 ـ الشورى في الإسلام: ص88.

9 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 219.

10 ـ موسوعة الفقه: ج106 ص58 ـ 59.

11 ـ موسوعة الفقه: ج106 ص117.

12 ـ موسوعة الفقه:ج106 ص120.

 

 

الفقه الشيرازي قدّم تفسيرات وحلولا فريدة للإشكاليات الفلسفية

العقائد مدخلا لإدراك نظام الحياة والآخرة

 

دراسة : كريم المحروس *

 

الفقه الاسلامي من اهم العلوم واشرفها، ذلك انه دليل الانسان في هذا الكون ليتمكن بواسطته من عبادة ربه احسن العبادة، وليتمكن ايضا من تسخير النعم التي حباه الله بها احسن تسخير، هو دليل لا يتاتى الا من خلال علم يسخره خالق الانسان نفسه، يوجهه فيه وينظم به حياته وفق توجيه ونظام ينسجم مع طبيعة الخلق والمخلوقات. من هنا جاء علم الفقه ليكون اول العلوم التي يستوجب ان يتعرف عليها الانسان، ويضعها في سلم اولوياته العلمية.

وللدخول في هذا العلم الشريف لابد من معارف تضيء الطريق، وتجعل من معاني هذا العلم واضحة، سهلة الادراك والاستيعاب، لا لتعقيد في هذا العلم، او لنقص، بل الامرهنا متعلق بدرجة التمسك بهذا العلم والتعبد بنصوصه وتعاليمه. وعلى هذا الطريق تأتي علوم ومعارف العقائد لتجعل من الانسان ملتزما باجلال واحترام وتقدير لعلم الفقه. ذلك ان ادراك العقائد يأتي عقلا بعد الفطرة التي تثير في ذات الانسان ضرورات الايمان.

وعلى اسس من الاعتقاد العقلي وبإيعاز من الفطرة، تتجه ذات الانسان الى ضرورة ادراك المنهج والسلوك الذي يترتب على ذلك الاعتقاد.

فايماننا بالله عزوجل، وبوجوده، وبمدأ خلقه للكائنات، وبالمعاد الذي توزن فيه اعمال الانسان، وغير ذلك من الاعتقادت، يدعونا الى وجوب الاخذ بالفقه تعبدا. فالفقه هو المنهج وهو النظام والدليل لعبادة الخالق، وسبل التعاطي مع هذه الحياة وما فوق هذا الكون من مخلوقات.

اذن، دراسة علم العقائد هو ا لمدخل لعلم الفقه. وبما ان المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي هو صاحب اكبر موسوعة معاصرة في علم الفقه، جعل لموسوعته المباركة هذه مدخلا مختصرا في العقائد، في كتاب بصفحات تعدادها 395 صفحة، اسماه (الفقه العقائد). استهلها بمقدمة تعريف للكتاب والهدف من تأليفه، قال فيها:

(اما بعد.. فهذا مختصر في العقائد، حسب ما يستفاد من الكتاب والسنة، جعلناه مقدمة للفقه بعنوان المدخل، وربما امكن فرضه منه باعتبار بعض ما يتضمن من الفروع الفقهية العامة).

وقد جاء مختصر العقائد ليقول في مطلع مسائله: ان المبدأ والمعاد مما لا يدخلان بجميع خصوصياتهما تحت ادراك العقل، لانه لا يدركهما من هذه الحيثية الا مجملا ضبابيا، فالادلة التي يمكن الاعتماد عليها بالنسبة للمبدأ والمعاد هي الادلة الاربعة ايضا، كما في الفقه: الكتاب والسنة والاجماع والعقل.

وقد فصل الكتاب في المبدأ والمعاد. فتحت عنوان المبدأ، استعرض آية الله السيد الشيرازي مبحث الاله و الوجود. اذ يقول: انه لم يدل دليل على وجود المجرد ما عدا الله سبحانه وتعالى، بل الادلة على خلاف ذلك. وحيث ان الله عزوجل اراد ان يجعل هذا العالم الاسباب والمسببات، جعل المادة الاولية لهذا العالم الماء وهو غير مجرد، قال سبحانه: (وجعلنا من الماء كل شيء حي). ويندرج تحت هذا الخلق ايضا العقل. فالمراد من ان العقل اول ما خلق الله سبحانه وتعالى - في الظاهر كما يقول السيد الشيرازي - النسبية لا الحقيقة.

فالمادة الاولية (الماء) هي مادة واحدة، وهي منشأ كل الاشياء بأمر الله تعالى، وهي محاطة بالحدود الحقيقية، وحتى الزمان لو كان شيئا لكان من تلك المادة. وان عدم فهمنا لكنه الزمان او عدم فهم كيفية كون ذلك الزمان من تلك المادة، لا يوجب عدم تصديق ما في الروايات من ان منشأ الكون تلك المادة. وهكذا لو قيل: ان الموت والظلمات ايضا مخلوقات، كما هو ظاهر بعض الايات والروايات، مثل قوله تعالى: (خلق الموت والحياة)، وقوله عزوجل: (وجعل الظلمات والنور).

وكيف كان، فيدل على ان المادة واحدة جملة من الروايات. وبهذا القول، يستعرض آية الله السيد الشيرازي عددا من الروايات كأدلة على ذلك. حتى يأتي ليتحدث عن قسمي الماء الواحد المجعول من الباري عزوجل، فهما: الاجاج والعذب. وخلق من طبيعة الاول الطغيان والنار والاحراق. وقد جعلهما الله سبحانه وتعالى بقسمين، ليعطي كل ذي حق حقه، فان كان الماء كله عذب، لم يكن الله اعطى غير العذب حقه من الخلق، وهذا ما يسمى في الفلسفة، بقابلية القابل.

ويذهب الإمام الشيرازي في امر المجرد، الى استحالة تجرد غير الله سبحانه وتعالى، (فما ذكره الحكماء من الادلة على خلاف ذلك). وهنا يستعرض السيد الشيرازي عددا من الادلة التي تشير اليها الروايات. ومن بين تلك الروايت ما ورد عن ابي عبد الله (عليه السلام): (ان الارواح في صفة الاجساد في شجرة في الجنة تعارف وتساءل).

من هنا يرى السيد الشيرازي ان الروح ليست مجردة، وكذلك النفس (آلة الحياة) وهي شيء في داخل الانسان يأمره بالحسن والقبح. فلا دلالة في الروايات اطلاقا على تجرد الروح او النفس. والاستدلال بالروايات التي يرجع اليها بعض الحكماء على تجرد الروح والنفس هو استدلال - كما يرى السيد الشيرازي - مثل الاستدلال بها على وحدة الوجود او وحدة الموجود. حيث ان هذه الروايات بعيدة كل البعد عما ذكروه من الاستدلالات. واما ادلتهم العقلية فهي ليست ادلة برهانية.. بل انها اشبه بالادلة الخطابية او الظنية ظنا ضعيفا جدا. ومع ذلك يذهب آية الله السيد الشيرازي الى مناقشة ادلة الحكماء ويثبت بطلانها.

ويفرد صفحات من كتابه العقائدي الرائع، عن العلم ومعرفة الله والعقل. فالعلم والعقل هما كاشفان للحقائق مطلقا بقدر الاستعداد وبقدر تحصيل المقدمات. وافضل ما يكشفه العلم ويميزه العقل هو معرفة الله سبحانه وتعالى، ولكن لا يعرف الله بحقيقته مطلقا، اذ من المحال ان يشتمل المحدود على غير المحدود. ولكن لا يقال: فيما الفائدة في المعرفة؟ ذلك ان في العلم لذة ودفع الم الجهل، حيث لا لذة فوق معرفة الله ولا الم اكثر من عدم معرفته سبحانه وتعالى. ويأتي بعد معرفة الله لذة ودفعا لالم الجهل، معرفة أهل البيت عليهم السلام. ولذلك اوجب الله بلطفه المعرفة على الانسان، لانها ضرورية لكماله، ورتب على ذلك العقاب والثواب. وهنا يستعرض المرجع الأعلى الشيرازي روايات في هذا الصدد باستفاضة.

وتاتي المعرفة بالعقل، فهو حجة وبه يثاب الانسان او يعاقب، وهو شيء مخلوق غير مجرد، وله جنوده، وانما نعرفه بآثاره لا بحقيقته وكنهه، كما نعرف الامر بالنسبة لغالب الاشياء حيث لا تعرف بحقيقتها وكنهها، وهنا يستعرض الإمام الشيرازي الخلط الذي وقع فيه الحكماء والفلاسفة بين النفس والعقل، وجعلهم العقل مراتب النفس، فهذا الخلط كما يشير آية الشيرازي راجع الى عدم النظر في الروايات، فلا دليل على ذلك شرعا ولا حتى عقلا. فللعقل ذات لا نعرفها كما لا نعرف الاكثر من الاشياء.

وقد ركزت الروايات في العقل على خصوصياته ومزاياه و خواصه ولوازمه، مع اختلاف في التعابير، ولكنها لم تشر الى حقيقة العقل المخفية اطلاقا، فتارة تقول الروايات: انه من نور، وتارة انه نور، وتارة ان مثله كمثل السراج، وتارة اخرى انه خلق من العلم، وتارة انه قائم بالعلم، وكذلك عبارات اخرى، كالفطنة والفهم والحفظ والعلم. والعلم بالعقل هذه المفاهيم التي تذكر وتدرس وتتلقى فقط، بل بالاضافة الى ذلك انسياق كل ذلك مع سير الكون حسب تقدير الله تعالى للكون باجزائه المختلفة.

واما بالنسبة لعلاقة المعرفة بالفطرة، فيرى الإمام الشيرازي انها علاقة السبب والمسبب، فان المعرفة فرع الفطرة على الظاهر، وتطلق المعرفة على ما سبق الانسان ان عرفه، كما قال بذلك الشيخ البهائي قدس سره، لان الانسان سبق ان عرف الله في عالم الذر، حيث كانت الابدان قد خلقت كالذر في هذا العالم وامتحنت في الالوهية والنبوة والولاية، ولعله كان ايضا بالنسبة الى المعاد، قبل ابتلائهم في هذه الدنيا، ثم اودع سبحانه وتعالى الجسد الذري المشتمل على الروح الناطقة السامعة في جسد آدم (عليه السلام) بعد خلقه.

فضرورة العقل تدل على إله خالق للكون، وانه حي، وعالم، وقادر، وليس كمثله شيء، الى غير ذلك من الصفات الثبوتية والسلبية لله عزوجل، وانه لا يقاس بخلقه اطلاقا، نقلا وعقلا. وهنا يناقش آية الله السيد الشيرازي بعض آراء الفلاسفة في صفات الله سبحانه وتعالى، من نحو: القول بالفيض، فلو كان المخلوق من سنخ الخالق للزم وحدة الصفات وسائر الجهات، وذلك مستحيل. والقول ان الواحد لا يصدر منه الا الواحد، فهذا غير تام في الواحد بالارادة، اذ لو صدر من الواحد غير الواحد للزم صدور كل شيء من كل شيء. والقول بمسألة بسيط الحقيقة، فذلك متوقف على وحدة حقيقة الوجود في الواجب والممكن، وهو بحاجة الى دليل، بينما الدليل على عدمه. فالقبول بوحدة الوجود او الموجود خلاف الادلة العقلية والنقلية.

ويضيف الإمام الشيرازي في مناقشة اقوال الفلاسفة، امر القائلين بالجبر، وكذلك التفويض، ويستعرض الاجابة بالادلة على الامر بين امرين.

وكعادة الفقهاء والمجتهدين في بحوث العقائد، يجيب آية الله العظمى السيد الشيرازي على مسألة الموت والاخرة، فالموت اول مراحل الاخرة، وفلسفته بيان عدم احتياج الله سبحانه وتعالى الى أي شيء، بينما المخلوقات محتاجة، فالانسان على سبيل المثال من بدء خلقه الى منتهى ما يصل اليه من كمال، باق على ماديته وجسمانيته، فهو مادي وجسماني، وزماني ومكاني، وفقير ومحتاج في بقاء ذاته وجميع كمالاته المادية والمعنوية الى الله سبحانه وتعالى الغني المطلق والواجب المتعال.

وليس الموت هو نهاية لكمال الانسان، فالظاهر ان الانسان يصعد كمالا ايضا في عالم القبر وعالم المحشر وحتى في الجنة كما دلت على ذلك الاحاديث، لانه لا يقال: ان الله سبحانه وتعالى غير محدود، ومن الواضح ان غير المحدود كلما اخذ يقرب المحدود ويرفعه الى رحمته يبقي مجالا ومجالات الى ما لا نهاية. وفي ذلك يقول السيد الشيرازي: وهذا هو الجواب الذي اجيب به عن سؤال: ما فائدة صلواتنا على محمد وآله (عليهم افضل الصلاة والسلام) وقد بلغ (صلى الله عليه وآله وسلم) المقام المحمود. ويضيف الإمام الشيرازي في مسألة الموت: ان في الموت تعلق للروح ببدن مثالي كتعلقها في الدنيا بهذا البدن الترابي، كما في رواية الحنط عن ابي عبد الله (عليه السلام): (انهم في ابدان كأبدانهم)، وفي رواية اخرى (صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون). وفي هذا الموضع يستعرض السيد الشيرازي سبع شبهات حول المعاد الجسماني، هي: ان اعادة المعدوم ممتنعة، بين الفعلية والقوة، تبدل الانسان وحشره بجميع اجزاء بدنه المتبدلة، الآكل والمأكول وتحول المأكول الى جزء من الجسم، الحاجة الى دخول الروح في الجسد يوم القيامة، قابلية الارض. ثم ياتي الى شبهتين رئيسيتين في الخلود تمنعان المعاد الجسماني، هما: كيفية دوام النار مع ان المعاد الجسماني، هما: كيفية دوام النار مع ان العقل يدل على انه خلاف العدالة اذ السيئة تجزى بمثلها او اكثر، واستدلوا على ذلك بادلة لا يخفى ضعفها حسب قول السيد الشيرازي. واما الشبهة الثانية هي كيفية دوام الجنة مع ان ما لا اخر له مثل ما لا اول له، ويقول السيد الشيرازي في هذه الشبهة: ان الاستناد الى الله سبحانه وتعالى لا يدع مجالا لهذا الاشكال وأمثاله. ثم يضيف: ولو فرض صحة الاشكالين، لا يضر المعاد الجسماني نعيما او جحيما، وانما يزعم تضرر مسألة فرعية وهي (الدوام). وبعد انتهاء الإمام الشيرازي من تفصيل امر المبدا والمعاد ومتعلقاتهما من امر تجرد الله سبحانه وتعالى وما هية الروح والعقل والفطرة والمعرفة والموت واليوم الاخر، وغير ذلك، الاستدلال بالادلة الوافية بما يقرب من ذهن القارئ القاصد معرفة عقائده تمهيدا للاخذ بالفقه اخذا سليما. يختتم كتابه القيم بخاتمة ضمنها مجموعة من المسائل العقائدية في التوحيد والنبوة والمعاد والتقليد في الامور العقائدية وبعض من المسائل الفلسفية من حيث معاني الالفاظ الفلسفية، فضلا عن صفات الله، ثم الامامة وتفسير لبعض اقوال فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وامور متعلقة بولاية الفقيه من نحو ولاية فقيه على آخر والاطلاق والتقييد في الولاية وشورى الفقهاء. وفي نهاية الخاتمة يطرح المرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي بعضا من اجابات على استفسارات مختلفة ومتنوعة في المجالات العقائدية بشكل مختصر.

الكتاب في حقيقته مدخل مفيد جدا، يقرب الانسان نحو الاخذ بالفقه وتعليماته ومسائله بكل جد وانتظام، كما يتميز الكتاب نفسه بمحاولة تبسيط الامور العقائدية والفلسفية، بحيث يستوعبها عامة الناس. ويأنس لها المثقفون والمختصون لما فيها من عرض جديد لمختلف الاراء عند الحكماء والفلاسفة، وطرح يتبناه آية الله العظمى السيد الشيرازي، هو اقرب للصحة عقلا ونقلا.

ويأتي هذا الكتاب ثمرة من ثمار جهد عظيم يقوم به الإمام الشيرازي لجعل علوم الشريعة في مجالاتها العقائدية والفقهية رهن حاجة الناس دون تقعيد في النص وعرض للمعاني والنظريات والافكار، في اطار موسوعة علمية فقهية متكاملة، يزيدها الإمام الشيرازي كل يوم بنصوص مؤلفات جديدة.

* باحث في مركز التثقيف الإسلامي - لندن

منقول من مجلة المنبر ـ العدد العاشر

 

 

 

قراءة لكتاب ( تلك الأيام )

في صحيفة الحياة

 

نشرت صحيفة الحياة اللندنية في عددها المرقم (1381) بتاريخ الأحد 14 كانون الثاني 2001 عموداً قدمت فيه لكتاب سماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) الموسوم بـ(تلك الأيام) والذي تحدث عن حقب تاريخية هامة في تاريخ العراق الحديث جاء في نصه:ـ ...

بعد 35 عاماً على صدور قرار بإعدامه غيابياً في العراق يفرد المرجع العربي ـ العراقي السيد محمد مهدي الشيرازي هامشاً لكتابة فصول من تاريخ العراق الحديث عبر ( مذكراته) التي ظهرت أخيراً بعنوان (تلك الأيام).

يعود المؤلف إلى أيام العهد الملكي ويصف الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة آنذاك بأنها كانت تتسم بالتعقيد بالنظر. فالعراق خارج للتو من حقبة الاستعمار البريطاني الذي استطاع في ثلاث سنوات من السيطرة المباشرة (وبعد سقوط بغداد سنة 1917) من أحكام سيطرته وهيمنته على مرافق الحياة كافة والمجيء بكتلة سياسية (وبعض القيادات العسكرية المؤمنة بمدرسته التقليدية الغربية) لحكم العراق.

وأشار المؤلف إلى الأهمية الاستراتيجية ـ الفكرية والسياسية التي كانت تتمتع بها الطبقة الدينية في العراق وقدرتها على تعطيل وسن القوانين وفرض شروطها على الحكومات. ويؤكد أن شأنها شأن بقية المؤسسات والأحزاب والشخصيات الوطنية العراقية فهي تطالب بالاستقلال الحقيقي الناجز الذي دعت إليه ونبهت لضرورته وجديته ثورة العشرين العراقية.

واعتمد الشيرازي في كتابه (فصول من تاريخ العراق السياسي) مبدأ الحكاية والزيارات التي كان يقوم بها إلى المسؤولين في الحكومات العراقية ولقاءاته بالشخصيات السياسية في بغداد. فنكتشف طبيعة الحياة السياسية العراقية وطقس بغداد من خلالها وما يطرح فيها من كلام سياسي عن مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية التي تهم الشعب العراقي بمختلف طوائفه وأثنياته القومية والدينية، ونلحظ تطور الفكر السياسي الإسلامي الذي تميزت به المدرسة الكربلائية الفقهية وهي تمارس وظائفها الدينية في المطالبة بحقوق الشعب العراقي. فنرى المؤلف يلتقي بمتصرف كربلاء عبد الرسول الخالص ويذهب إلى بغداد للقاء وزير الداخلية آنذاك لإقالته ثم يلتقي كبار الشخصيات السياسية في العهد الملكي ويبحث معهم الشؤون والأوضاع العراقية من دون أن يتراجع عن المضي في مشروع المطالبة بحقوق العراقيين. حدث ذلك في لقاءاته مع وزير الداخلية سعيد القزاز ووزير المعارف (الثقافة) آنذاك الشيخ محمد رضا الشبيبي وعبد الهادي الجلبي وزير الأشغال العامة. ويواجه السيد محمد الصدر رئيس الوزراء ويناقش معه مستقبل البلاد في ظل هيمنة الاستعمار البريطاني غير المباشرة على العراق.

وأشار في مذكراته إلى أن أغلب الحكومات التي تشكلت بعد الاستقلال إلى أيام أحمد حسن البكر كانت تأتي إلى كربلاء والنجف كحاضرتين إسلاميتين تشكلان القاعدة الارتكازية للمطالب السياسية والاجتماعية للشعب العراقي، أما اليوم فتراجع دور هاتين الحاضرتين لأسباب موضوعية تتعلق بالمضايقات والتصفيات الدموية التي مارسها النظام الراهن

 

 

 

قراءة لكتاب ( هؤلاء اليهود )

في مجلة تشرين الإسبوعي

 

نشرت مجلة (تشرين الأسبوعي) العدد (138) ـ 21/تشرين الثاني/2000 مقالاً بعنوان (هؤلاء اليهود) استعرضت فيه آراء سماحة آية الله العظمى السيد الإمام الشيرازي (دام ظله) من خلال كتابه الموسوم (هؤلاء اليهود).

 قدم القراءة الأستاذ أبو أحمد البغدادي جاء فيها:

تكمن مأساة عالمنا العربي والإسلامي في الغدة السرطانية المتمثلة بإسرائيل وذلك، عبر قضم الأراضي الإسلامية بالسطو والانتهاب وانتهاك حرمة المقدسات وضرب جوهر الوجود العربي والإسلام ووصمه بلوثه طالت أعز وأغلى بقعة هي فلسطين، إذ فلسطين هي القدس، والقدس كل فلسطين، لذلك يستدعي من أبناء الأمة أن يوقظوا آراءهم ويسهروا قلوبهم على دفع ورفع هذه المعاناة التي طال عهدها وأمرضت الأمة وجلبت عليها ما جلبت مما لا يمكن حصره من الأضرار المادية والمعنوية (وأقلها تمادياً شذّاذ الآفاق بقتل الأبناء وهتك الحرائر، والعيث فساداً في ديار اكتسبت حرمتها من حرمة مقدساتها وشعبها، ويكفي ـ فضلاً عن ذلك ـ شناراً أن الكيان اللقيط هو بمثابة قصير يطاول وضعيف يقاوي، أمة عريقة صاحبة هوية ورسالة، قد ضمت تحت جناحها ـ يوم كانت تحمل رسالتها ـ العالم برمته... ولكنها اليوم ـ ويا حرّ صدور أبنائها الأحرار عليها ـ صارت واجمة مترددة حيال دويلة لا تملك أن تعيش إلا بدماء البشرية، وهذا كله باد للعيان غير عسير على البيان.

ومن جملة القول أيضاً في حقيقة الصراع العربي ـ الإسرائيلي أن جذور هذا الصراع وطبيعة أطرافه، تنبئ عن أنه صراع مستديم إلا أن يفنى أحد طرفيه، وأما ما يقع أحياناً من طور سكوني أو سكوتي، فإنما هو من الطبيعة الأدوارية للصراع ـ وهو مما لا يخفى خطره ـ من حيث أنه يعني تراكم وتجمع عوامل الغليان والثوران ـ على مر الدهر ـ إلى أن تجد متنفساً، ولو لحظياً، فتنفجر جملة واحدة، فتتحقق ما عجزت عن تحقيقه تلك العوامل متفرقة.

وبما أن الصراع هو ـ من الوجه نفسه ـ صراع موجه ضد أمة إسلامية لا تفرّط ـ في حال ـ بذرة تراب مقدسة، ولا تكلّ في طلب شموخها وعزتها، فقد بات من الطبيعي التذكير برأي الإسلام عبر مرجعيته الرشيدة وقيادته الكفوءة المتصدية، والتي آن أينها أن تنحى بعوامل الصراع منحى يوشك أن يكون فصلاً جديداً وحاسماً... وفي الحق فإن المرجع الديني الأعلى محمد الشيرازي كان ولما يزل السبّاق من بين المرجعيات الدينية إلى كشف مكامن الخطر ومواطن الدواء والأدواء في مسيرة الصراع مع الأعداء، ومشروعهم التوسعي في العالم، وقد عُرف سماحة الإمام الشيرازي بقدم تحركه في هذا الشأن وبمختلف أساليب وأشكال العمل الإسلامي، سيان بالبيانات أو المؤلفات أو الفتاوى بغية تنبيه المسلمين إلى أبعاد الخطر الصهيوني المحدق بالأمة، ولعل كتابه (هؤلاء اليهود) الذي ألفه قبل ثلاثين عاماً هو خير مثال على إدراك السيد المرجع الشيرازي لحجم الخطر الذي يحمله المشروع الصهيوني التوسعي في المنطقة.

إذ بالإضافة إلى فتواه التاريخية التي حرّم فيها التعامل مع السلع الإسرائيلية فضلاً عن جملة بيانات أجاز فيها صرف الثلث من الحقوق الشرعية لوجوه إغاثة المتضررين بالعدوان الإسرائيلي، من أبناء أمتنا الإسلامية.

حقيقة يهود اليوم

من الخطأ أن نتصور أن يهود اليوم هم أنفسهم قوم موسى (عليه السلام) ومن الخطأ أيضاً أن نتصور أن بني إسرائيل اليوم هم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وفضلهم على العالمين، حيث قال: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) (سورة البقرة، آية 47) أو الذين اختار الله تعالى منهم كثيراً من الأنبياء (عليهم السلام) أمثال موسى ويوسف وإلياس ويونس بن متى، والذين جعل منهم الملوك كما قال تعالى... (إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً) (سورة المائدة، آية 20).

إن يهود اليوم وإسرائيل اليوم هم سلالة أولئك العصاة الذين تكبروا في الأرض ـ فمسخهم الله قردة وخنازير (وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت) (المائدة: 60).

إذاً يهود اليوم ... يختلفون عن يهود الأمس وبنو إسرائيل اليوم غير بني إسرائيل الأمس.

الأصل الجديد ليهود اليوم

وسنعرف ذلك من هذه القطعة التاريخية (... ما بين القرنين السابع والعاشر، سيطر شعب مغولي هو شعب (الخزر) على الطرف الشرقي من أوروبا ما بين (الفولغا والقفقاز) ، كان يواجه الدولة الإسلامية في الشرق والجنوب الشرقي والدولة المسيحية المحيطة به، وهو اختيار يحير المؤرخين كما أنه لم يكن مصادفة كما يقول المؤرخ المجري (د . أنطال بارثا) يفسره البعض بأنه حرص شعب (الخزر) على الاحتفاظ بشخصيته الخاصة بين القوتين العالميتين حينذاك ( أي القوة الإسلامية والقوة المسيحية).

وفي القرن (الثاني عشر ـ الثالث عشر) انهارت دولة الخرز، وفروا في اتجاه الغرب إلى القرم وأوكرانيا وهنغاريا وبولدنا وليتوانيا، يحملون معهم ديانتهم اليهودية (التي عرفها العصر الحديث) وبذلك فإن يهود العالم اليوم في أغلبيتهم الساحقة ينحدرون من هذا الشعب المغولي. خاصة أن اليهود الأصليين الذين ينتمون إلى القبائل الإسرائيلية (الاثنتي عشرة) في التاريخ القديم ضاعت آثارهم..)(1).

هذه الحقيقة التاريخية تثبت أن اليهود اليوم لا علاقة لهم (تاريخية أو غيرها) من قريب أو بعيد بيهود الأمس. وإسرائيل اليوم لا علاقة لها ببني إسرائيل الأمس، كما أن يهود إسرائيل اليوم لا علاقة لهم بفلسطين.

أباطيل اليهود

الحقيقة التاريخية الآنفة الذكر أطلق اليهود عليها اسم (الشتات) وجعلوها عنواناً (لمظلوميتهم) ـ كما يدعون ـ حيث تزعم (الصهيونية) الآن أن القوى الظالمة (أي الإسلامية والمسيحية) فرضت الشتات، وحالت عبر التاريخ بينهم وبين عودتهم إلى (أرض الميعاد)، لكن التاريخ ينسف هذه المزاعم وهذه الأسطورة.. فالمعروف أنهم رحلوا طلباً للعيش قبل أن يطردهم أحد. بل هم هاجروا قبل السبي البابلي وبعد قيام (مملكة إسرائيل) التي ظهرت إثر انقسام فلسطين إلى مملكتين (مملكة يهوذا في القدس) و(مملكة إسرائيل) في السامرة بعد وفاة نبي الله سليمان (عليه السلام) عام 935 (ق.م) وفي القرن السادس قبل الميلاد زال كل أثر فعلي لليهود في فلسطين إلا من اندمج منهم بسكان البلاد الأصليين.. ثم اتسع (تشتت) اليهود في مراكز الاقتصاد والتجارة (الإسكندرية وقرطاجة) قبل تدمير الهيكل سنة 70م.

اليهود والتجارة

اليهود أينما تجمعوا فذاك يعني أنهم تجمعوا حول نواة تجارية مالية ولا يهمهم شيء حول ما إذا كانت تجارتهم هذه دنيئة أم لا. فالمهم عندهم جمع المال عبر التجارة والتحكم بالعصب الاقتصادي والسياسي للمنطقة، فلو جاء عشرة رجال من اليهود الفقراء إلى آية منطقة لوجدناهم غالباً يتحكمون بالسوق في بضع سنوات، بغض النظر عن الوسائل التي يتبعونها في ذلك.

وفي أوربا وجد الغربيون أن رأسمالية اليهود تنافس رأسماليتهم، وكان الربا في مقدمة التجارة والأعمال لكسب الربح السريع، ويعود عملهم بالربا إلى أن الكنيسة الكاثوليكية قد حرّمت الربا على النصارى، فبقي فراغ شغله اليهود، أي أن الربا بقي حلالاً في دينهم، وراحوا يتعاملون به بجشع.

موجات النزوح اليهودية

بدأت موجات اليهود المتتالية بالنزوح إلى البلدان العربية منذ القرن السادس قبل الميلاد (النفي البابلي) ثم جاءت موجات أخرى تلت تلك الموجات، بعد سقوط القدس (القرن الأول الميلادي) ونزحت هذه الموجات شرقاً نحو العراق، وجنوباً نحو الجزيرة العربية وبالاتجاه الجنوبي الغربي نحو مصر، وتسربت أعداد من هذه الموجات وامتزجت بأهل البلاد الأصليين واختلطت بهم اختلاطاً مباشراً في كل جوانب حياتهم وظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما شاركوهم في اللغة والتقاليد وأسلوب التفكير، وقد ضاعت وحدتهم العنصرية رغم تقوقعهم وتعصبهم العنصري لديانتهم، كما فقدوا لغتهم المشتركة (العبرية) فتكلموا بلغات مختلفة حسب الموقع الذي يعيشون فيه، وهذا يبين أنهم هجين من عدة قوميات ومن عدة لغات.

الحركة الصهيونية

بدأت هذه الحركة منذ القرن السابع عشر تقريباً، إلا أن الاجتماع الأول (للحركة الصهيونية في العالم) كان عام 1897م في مدينة (بال أوبازل) بسويسرا، بزعامة مؤسس الحركة الصهيونية (تيودور هرتزل)، ويمكن تلخيص ما جاء في المؤتمر بما يلي: (إن هدف اليهودية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بضمن القانون العام) وحدد عدة خطوات لتحقيق هذا الهدف، يمكن حصرها فيما يلي:

1 ـ تشجيع استيطان العمال الزراعيين والصناعيين اليهود في فلسطين.

2 ـ تنظيم اليهود والربط بينهم من خلال مؤسسات تتفق مع القوانين الدولية والمحلية لكل بلد.

3 ـ تقوية الشعور والوعي القومي لدى اليهود وتعزيزهما.

4 ـ اتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على موافقة الدول، حيث يكون ذلك ضرورياً لتحقيق هدف الصهيونية.

وتمكن اليهود بوسائلهم وأساليبهم اللاإنسانية والملتوية التي استخدموها لتحقيق مآربهم، من بناء دولتهم (اللاشرعية).

ومن أساليبهم، المراوغة التي اتبعها أحد زعمائهم (حايم وايزمن) لانتزاع وعد (بلفور) من الحكومة البريطانية عام 1917م، الذي أعطى اليهود مالا يملكون، ثم جاءت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي كان أهمها قرار التقسيم الذي يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية ووضع القدس تحت الإدارة الدولية.

اليهود بؤرة الفساد في الدنيا

لليهود طرق كثيرة وأساليب خاصة وملتوية لتحقيق غاياتهم في امتصاص دماء الآخرين من غير اليهود، أما مع بعضهم البعض فيحرّمون هذه الأشياء. فمثلاً الربا يجب التعامل به مع غير اليهودي ويحرّم مع اليهودي، ولما لأساليبهم الخاصة من أثر في جمع المال والثراء السريع، فإنهم يحاولون بشتى السبل تحطيم اقتصاد البلاد التي يعيشون فيها، بعد الإمساك بزمام الاقتصاد بأيديهم.. وهم بالإضافة إلى ذلك يقتلون الأخلاق الحسنة في المجتمع وإن أول أعمالهم التي يقومون بها هو نشر الخمور والزنا والبغاء، وهذا هو المعروف والمتعارف عليه عند اليهود، فهم لم ينشروا الخمور والفحشاء إلا من أجل إفساد المجتمع، حيث إن اليهودي لا يستطيع أن يعيش إلا بعد أن يفسد ما حوله لكي يخلق جواً ينسجم ويتلاءم مع رغباته.

فهم بؤرة الفساد في كل الدنيا ونجد أنهم يجعلون مقرات للزنا والدعارة تحت عناوين من قبيل (مراكز الخدمات الإنسانية) ويتسترون تحت هذه العناوين لتحقيق أغراضهم.

ومن أعمال اليهود المعروفة ـ بالإضافة لما سبق ـ إثارة الفتن والخلافات والنزاعات بين أبناء المسلمين، والنتيجة طبعاً ستكون لصالحهم، فقد استخدموا أساليب كثيرة في الدسّ بين طيات الكتب والطعن بالمعتقدات، وإثارة النعرات الطائفية والعرقية بين المسلمين بأساليب جديدة أدت إلى تدمير البلاد وضياع الكثير من الثروات ونهبها عن طريق تأسيس عصابات ذيلية ترتبط بهم، مطليّة بصبغة بعض الأحزاب السياسية والعلمانية، ولو بحثنا في جذور الأحزاب المنحرفة الهدامة التي تخدم مصالح الاستعمار في العالم لوجدنا أن المؤسسين لها هم من اليهود وذلك عبر التنسيق مع بعض السفارات الأجنبية، لذا لم تقم تلك الأحزاب الاستعمارية بأي عمل ضد اليهود.

إسرائيل صنيعة الاستعمار

ثياب الاستعمار كثيرة، فكلما بلي ثوب لبس غيره. وبعد الحرب العالمية الثانية ظهر للدول الاستعمارية أن لعبتهم هذه سوف لن تستمر، ورأوا أن الإسلام لو تحرك بحرية بين هذه البلدان المستعمرة فإنه سيشكل قوة ضاربة خطيرة تعصف بهم، وبمصالحهم في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وفي مناطق أخرى كثيرة، لذلك فإن إسرائيل (وهي اللعبة الجديدة والثوب الجديد للاستعمار) ستكون كفيلة بتحديد حرية تحرك الإسلام في المنطقة، لذا يجب أن (تُصنع) في هذا المكان الحساس، وولدت بعد محاولات بذلتها الصهيونية العالمية واليهودية، مستفيدة من كل الظروف العالمية، ولكن ذلك صادف رغبة ملحة وهوى في نفوس الدول الاستعمارية تحقيقاً لمصالحها.

إذاً إسرائيل صنيعتهم والخادم المنقذ لمصالحهم، وبالفعل فقد حققت إسرائيل كل مصالحهم، وبهذا فقد خرج الاستعمار من الباب ليدخل من الشباك!

إسرائيل وعروض السلام المخادعة

عصابة العنف والإرهاب لا تترك مناسبة إلا وتطرح فيها عروضها للسلام!! وسلامها الذي تنشده هو أن يقوم على أساس الأمر الواقع، مع الاحتفاظ بالأراضي ورفض عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم، ورفضهم الانسحاب من الأراضي الإسلامية.

وكثيراً ما تظاهروا بهذه العروض الكاذبة، فقد تظاهر زعماؤهم بالسلام قبل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م وتظاهروا قبل حرب عام 1967 م أي أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين عروضهم هذه وتوقيت اعتداءاتهم.

وإسرائيل ترفض بحث موضوع احتلال القدس، وتصر على احتلالها، وقد رفضت أغلب المعاهدات والقرارات التي تخوض في هذا الموضوع سراً فيما تظهر الالتزام بالتنفيذ علناً.

وهكذا سعى مفكرو اليهود بشتى الطرق وبأخبث الوسائل لاستعادة مجدهم وتراثهم (حسبما يدّعون) وعملوا من دون كلل حتى يحصلوا على كل ما يبتغون، وتمكنوا من بناء دويلتهم الصهيونية في قلب المنطقة الإسلامية بالإرهاب والقوة وسفك الدماء وحققواً ما كانوا يصبون إليه بالأمس، بهمة شرسة وبدعم مالي واسع وتخطيط دقيق... وإعلام مكثف حول مظلومية اليهود الكاذبة ومسكنتهم إلى أن تمكنوا جيداً وأصبحت زمام المبادرة بأيديهم وبات الكثير ممن يدعي الثورية أو القومية يتقرب إليهم سراً وعلانية. وهذا الإعلام المكثف حول مسكنتهم هذه له دور كبير في دويلتهم.

ففي سنة واحدة تطبع إسرائيل (15) مليون كتاب ولديها ما يقارب الألف صحيفة خارج فلسطين، أي أن صحفها ومجلاتها تفوق عدد صحف ومجلات الدول العربية قاطبة، بما فيها لبنان ومصر المشهورتان بالطباعة والنشر,. فمن أين لهم هذا؟ ومن الذي يوحي لهم بذلك وهم الكفار. بينما يتراجع بعض المسلمين؟ والجواب قوله تعالى (إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) (الأنعام: 121). وذلك لضرب الإسلام والمسلمين لأنهم ابتعدوا عن نهج الإسلام وطرق آل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) وانشغلوا بالتنازع فيما بينهم ولذلك فشلوا، وقد قال تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (الأنفال:64).

فلو أن بعض المسلمين خلصوا النية لله تعالى وجاهدوا في سبيله، لما أضلّوا السبيل ولما انتصرت عليهم دويلة صغيرة لا يتجاوز عددها الخمسة ملايين نسمة، في حين أن المسلمين العرب وحدهم يزيدون على 255 مليون نسمة!!

أليست هذه هي المهزلة بعينها؟ وإلا فما معنى ذلك؟ ثم يجب هنا أن نقول للشعب المسلم: إن النصر من عند الله فإنه لا يكتب إلا للذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.

وسننتصر بعون الله، وستنجلي هذه الغمة في الغد القريب، إذا اهتم المسلمون والعرب جميعاً وتضامنوا وعملوا جادين في سبيل ذلك.

فغاية ما هنالك، أن الجميع لو وحدوا كلمتهم وحزموا أمرهم على القيام بفعل حاسم لإزاحة السرطان المتفشي في جسد الأمة، فسيكونون جديرين بالنصر، إن شاء الله

 

 

جميع الحقوق محفوظة لياقوت المحبة لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

تأسس الموقع في شهر رمضان 1419هـ