لقد تسنّم الصدوق كرسي الصدارة في الحديث والإجازة، حتى لقب
(حجة الإسلام) وهو أول من لقّب بهذا اللقب، قبل أن يصبح مرتبة علمية يحصل
عليها طالب الحوزة العلمية بعد أن يصل إلى مراحل معينة في دراسته الحوزوية
العلمية الدينية، ويأتي باستنباطاته.
لقد نقل عنه بعض من عاشروه أنه كان عبقرياً فذاً في الكثير من
العلوم، حتى أصبح مرجعاً عاماً للشيعة الإمامية الاثني عشرية في زمانه، وكانت
الأسئلة ترسل إليه من أرجاء العالم الإسلامي إلى مقر إقامته في قم المقدسة
فكان يجيب عنها بالأجوبة الشافية. وقد صادفت حياته فترة حكم الملك الشيعي
(ركن الدولة) البويهي الديلمي وهو والد عضد الدولة.
ولشيخنا الصدوق قصة مع الملك المذكور، ذاك أن الشيخ الصدوق لما
ارتفعت سمعته وعلا مكانه بين أرجاء العالم الإسلامي والآفاق، وعلم جميع النخب
من العلماء والعامة من الناس والطلبة والدارسين بفضله وعلمه، أرسل إليه الملك
ركن الدولة في يوم من الأيام، فحضر الصدوق المجلس ملبيّاً دعوة رسول الملك،
وكان ركن الدولة آنذاك يقيم مجلساً كبيراً لعلماء وأفاضل الإسلام وقتذاك،
فلمّا دخل عليه الشيخ الصدوق بالغ في تعظيمه وتبجيله وتكريمه واستقبله
استقبالاً حافلاً وعظيماً، ثم ألقى عليه مسائل كبيرة ومعضلات صعبة ودقيقة في
نفس المذهب، ومن مجمل المذاهب الإسلامية فما كان من الشيخ الصدوق إلا أن
أجابه برباطة الجأش دون تلكؤ، إجابات شافية وافية.
وقد دخل في مناظرات مع علماء من مذاهب عدة في حضرة الملك ركن
الدولة حتى أنه حصل على تزكية من جميعهم، وقد تنازل عالم شافعي كبير آنذاك عن
مذهبه وقال في حضرة الملك: لقد أوصلني الصدوق بجداله وتشريحه إلى أحقية مذهب
الاثني عشرية، وأنا منهم من هذه اللحظة. وقد استحسن الملك ركن الدين ذلك،
واستحسن الآخرون الذين حضروا المجلس والمناظرة والاحتجاج واستمعوا إلى إلقاء
الحجة الواضحة من قبل الشيخ الصدوق، والبراهين الجلية وقطع دابر الشك بالمحجة
البيضاء التي نهلت من منهج أهل البيت (عليهم السلام)، لقد استحسن الملك
والحاضرون ما ورد من نتيجة ما رأوه، وحتى أن المخالفين كانوا قد وصفوا
إعجابهم بكلمات بحضرة الملك، وعن هذه المناظرات كتب المشايخ الكبار رسالة
خاصة، وقد أوردها الفاضل التستري في كتابه (المجالس الحسينية).
وقد قال فيه بحر العلوم في كتابه الفوائد الرجالية حيث قال:
محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، هو شيخ من المشايخ وركن من
أركان الشريعة، ورئيس المحدثين، ولد بدعاء صاحب الأمر والعصر (عجل الله فرجه)
وكان بذلك عظيم الفضل والفخر، وقد وصفه الإمام الحجة (عجل الله فرجه) في
التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه: (فيه خير مبارك ينتفع الأنام به).
وفعلاً فقد عمّت بركته الأنام، وانتفع به الخاص والعام، وبقيت آثاره المقدسة
ومصنفاته مدى الأيام، وعم الانتفاع به وبفقهه وحديثه).