موقع ياقوت المحبة - لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

 
     
الشيخ ابوجعفر محمد الصدوق ( 305 | 381 هـ )
     

الصدوق هو حجة الإسلام محمد بن علي القمي، والمكنّى أبو جعفر ولد عام 305 للهجرة في مدينة قم المقدسة، وهي نفس السنة التي توفي بها النائب الثاني للإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) محمد بن عثمان العمري، وتوفي الصدوق في مدينة الري عام 381 هـ. أبوه علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، كان من فقهاء الإسلام العظام في مدينة قم، توفي في العام الذي سمي بعام النجوم 329 هـ وهو العام الذي توفي فيه العلامة الكليني وعلي بن محمد السمري وهو النائب الرابع للإمام الحجة (عجل الله فرجه).

أول أساتذته وأهمهم هو ثقة الإسلام الكليني، وقد عاصره (24) عاماً.

ولادته

كان علي بن الحسين وهو والد الصدوق لا يرزق أولاداً فاتصل بالإمام الحجة المهدي (عجل الله فرجه الشريف) عن طريق نائبه في بغداد الحسين بن روح النوبختي، وهو النائب الثالث، وقد سأله أن يدعو الله كي يهبه ولداً صالحاً، فأوصل النوبختي هذه الوصية وهذا الرجاء واستجاب الإمام ودعا الله سبحانه وتعالى أن يرزق علي بن الحسين ولداً زكياً، فاستجاب الله عزّ وجلّ لكرامة دعاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وجاءت البشرى من الناحية المقدسة عن طريق الحسين بن روح يبشره بمولود صالح مبارك يعقبه أولاد أتقياء، وفعلاً جاء محمد بن علي القمي، الصدوق.

مؤلفاته

للشيخ الصدوق مؤلفات كثيرة جداً في مختلف المواضيع الإسلامية والدينية والمذهبية تدل على سعة علمه وقوة فهمه، وقد ذكر المؤرخون أنه ألّف حوالي ثلاثمائة كتاب، ولكنها لم تشتهر مثلما اشتهر مؤلفه (من لا يحضره الفقيه).

ويعتبر هذا الكتاب من أعظم ما ألف الصدوق، وهو يمثل مع كتب (الكافي) و(الاستبصار) و(التهذيب) أحد الكتب الأربعة المهمة لدى الشيعة، وهو يأتي بالدرجة الثانية بعد الكافي للكليني، وقد اعتنى علماء الإسلام وفقهاؤهم بهذا الكتاب شرحاً وتعليقاً كاعتنائهم بالكافي على حد سواء. وقد جمع منه الشيخ الصدوق (رحمه الله) الأحاديث الواردة آنذاك عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام) والتي تهتم بأمور الفقه والمسائل المستعصية.

وله كتاب ثان من كتبه المهمة جداً وهو (مدينة العلم) وهو أكبر من كتاب (من لا يحضره الفقيه)، إلا أنه ضاع وخسرت المكتبة الإسلامية هذا السفر النفيس والكتاب القيم، ويقول بعض المؤرخين إن كتاب (مدينة العلم) لو كان موجوداً وغير مفقود لكان الكتاب الخامس من كتب الحديث المعتبرة بالإضافة إلى الكتب السابقة.

من أسماء كتبه: عيون أخبار الرضا، وهو كتاب مهم جداً حقق رواجاً واسعاً في حينه وما زال من أمهات الكتب. وله علل الشرائع والأحكام وهو الذي لا يقل عن سابقاته، ومعاني الأخبار، وإكمال الدين وإتمام النعمة، والتوحيد، والخصال، والأمالي ويسمى أمالي الصدوق، أو المجالس ـ مجالس الصدوق ـ وثواب الأعمال، وكتاب الهداية، والعقائد، وكتاب صفات الشيعة، وكتاب فضائل الشيعة، وكتاب فضائل الأشهر الثلاثة ويقصد بها أشهر شعبان ورمضان ومحرم الحرام. وكتاب مصادقة الإخوان وهو من الكتب الأخلاقية المهمة، وكتاب النصوص، وكتاب المقنع، وكتاب دعائم الإسلام في معرفة الحلال والحرام وهذه رسالة فقهية أصولية، وكتاب النبوة، وكتاب إثبات الوصية لعلي، وهو الكتاب الذي أثبت الصدوق أنه صاحب مدرسة خاصة به في الاحتجاج والمجادلة، وكتاب إثبات الخلافة وهو مكمل لمؤلفه السابق وعلى ذات نهجه، وكتابه المعرفة في فضل النبي وأمير المؤمنين والحسنين (صلوات الله عليهم).

رأي العلماء فيه

لقد تسنّم الصدوق كرسي الصدارة في الحديث والإجازة، حتى لقب (حجة الإسلام) وهو أول من لقّب بهذا اللقب، قبل أن يصبح مرتبة علمية يحصل عليها طالب الحوزة العلمية بعد أن يصل إلى مراحل معينة في دراسته الحوزوية العلمية الدينية، ويأتي باستنباطاته.

لقد نقل عنه بعض من عاشروه أنه كان عبقرياً فذاً في الكثير من العلوم، حتى أصبح مرجعاً عاماً للشيعة الإمامية الاثني عشرية في زمانه، وكانت الأسئلة ترسل إليه من أرجاء العالم الإسلامي إلى مقر إقامته في قم المقدسة فكان يجيب عنها بالأجوبة الشافية. وقد صادفت حياته فترة حكم الملك الشيعي (ركن الدولة) البويهي الديلمي وهو والد عضد الدولة.

ولشيخنا الصدوق قصة مع الملك المذكور، ذاك أن الشيخ الصدوق لما ارتفعت سمعته وعلا مكانه بين أرجاء العالم الإسلامي والآفاق، وعلم جميع النخب من العلماء والعامة من الناس والطلبة والدارسين بفضله وعلمه، أرسل إليه الملك ركن الدولة في يوم من الأيام، فحضر الصدوق المجلس ملبيّاً دعوة رسول الملك، وكان ركن الدولة آنذاك يقيم مجلساً كبيراً لعلماء وأفاضل الإسلام وقتذاك، فلمّا دخل عليه الشيخ الصدوق بالغ في تعظيمه وتبجيله وتكريمه واستقبله استقبالاً حافلاً وعظيماً، ثم ألقى عليه مسائل كبيرة ومعضلات صعبة ودقيقة في نفس المذهب، ومن مجمل المذاهب الإسلامية فما كان من الشيخ الصدوق إلا أن أجابه برباطة الجأش دون تلكؤ، إجابات شافية وافية.

وقد دخل في مناظرات مع علماء من مذاهب عدة في حضرة الملك ركن الدولة حتى أنه حصل على تزكية من جميعهم، وقد تنازل عالم شافعي كبير آنذاك عن مذهبه وقال في حضرة الملك: لقد أوصلني الصدوق بجداله وتشريحه إلى أحقية مذهب الاثني عشرية، وأنا منهم من هذه اللحظة. وقد استحسن الملك ركن الدين ذلك، واستحسن الآخرون الذين حضروا المجلس والمناظرة والاحتجاج واستمعوا إلى إلقاء الحجة الواضحة من قبل الشيخ الصدوق، والبراهين الجلية وقطع دابر الشك بالمحجة البيضاء التي نهلت من منهج أهل البيت (عليهم السلام)، لقد استحسن الملك والحاضرون ما ورد من نتيجة ما رأوه، وحتى أن المخالفين كانوا قد وصفوا إعجابهم بكلمات بحضرة الملك، وعن هذه المناظرات كتب المشايخ الكبار رسالة خاصة، وقد أوردها الفاضل التستري في كتابه (المجالس الحسينية).

وقد قال فيه بحر العلوم في كتابه الفوائد الرجالية حيث قال: محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، هو شيخ من المشايخ وركن من أركان الشريعة، ورئيس المحدثين، ولد بدعاء صاحب الأمر والعصر (عجل الله فرجه) وكان بذلك عظيم الفضل والفخر، وقد وصفه الإمام الحجة (عجل الله فرجه) في التوقيع الخارج من الناحية المقدسة بأنه: (فيه خير مبارك ينتفع الأنام به). وفعلاً فقد عمّت بركته الأنام، وانتفع به الخاص والعام، وبقيت آثاره المقدسة ومصنفاته مدى الأيام، وعم الانتفاع به وبفقهه وحديثه).

رحلات الشيخ الصدوق

لقد كان الشيخ الصدوق (رحمه الله) حريصاً على أخذ العلوم من مصادرها الأساسية، وقد كانت في ذلك الوقت مدارس فقهيه ومحدثين تاريخيين كثار في عواصم ثقافية وأدبية وتاريخية مثل مدن البصرة وبغداد والري ودمشق والقاهرة فما كان منه إلا أن قام برحلات كثيرة للبلدان والأمصار لاكتساب العلوم والفضائل والخبرة وسماع الأحاديث والأخبار عن العلماء والثقات بشكل مباشر والاطلاع على كتبهم بشكل كامل أيضاً، وكان يجري المناظرات والاحتجاجات واللقاءات الكثيرة مع العلماء والأدباء في كل الأمصار والبلدان.

لقد سافر من مسقط رأسه مدينة قم إلى الري في جنوب طهران، ثم سافر إلى طوس، أي مدينة مشهد حيث مرقد الإمام الرضا (عليه السلام)، والتي كانت مدينة تنهض لتوها حيث شُيّد فيها مرقد الإمام الرضا (عليه السلام) ثم سافر إلى نيسابور تلك المدينة التي اشتهرت بالمدارس الكلامية والنحوية وفقه اللغة وبقية العلوم الأخرى، وبعدها رحل إلى بغداد ثم ورد الكوفة ومنها إلى البصرة، ثم سافر إلى همدان، وإلى بَلَخ وإلى إيلاق، ثم إلى سرخس، ودخل سمرقند ثم سافر إلى فرغانة، وكان في كل سفرة يعود أدراجه إلى مدينته قم المقدسة.

أول فائدة جناها من رحلاته هذه هو إحكام أحاديثه وكلامه الذي دوّنه للأجيال، وأخذه من المصادر الأساسية قدر الإمكان، لأن العلم مهمة خطيرة، على العالم أن يعرف الخبر الذي يكتبه ويمحِّصه لأنه أمانة الأجيال القادمة، وقد كتب الشيخ الصدوق (رحمه الله) بأن كل جهوده التي قام بها من خلال التأليفات الكبيرة جاءت نتيجة لسفراته الكثيرة ونتيجة لمراسلات أهل العلم من كل أرجاء العالم الإسلامي.

    - نقلا عن مجلة الكلمة -

 

جميع الحقوق محفوظة لياقوت المحبة لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

تأسس الموقع في شهر رمضان 1419هـ