|
ذكر الشيخ ودام بن أبي فراس أن أبا ياسر
معلم المفيد ربما عجزاً عن البحث معه ولأجل الخروج من عهدته، أشار إليه
بالمضي إلى علي بن عيسى الرماني الذي هو من أعاظم علماء الكلام، وكان إماماً
في العربية، علاّمة في الأدب، قال عنه أبو حيان التوحيدي: لم ير مثله قط
علماً بالنحو وغزارة بالكلام وبصراً بالمقالات، واستخراجاً للعويص وإيضاحاً
للمشكل، مع تأله وتنزه ودين وفصاحة وعفاف ونظافة..
حين طلب أبو ياسر من المفيد الذهاب إلى
هذا العالم، قال المفيد: إني لا أعرفه ولا أجد أحداً يدلني
عليه..
فأرسل أبو ياسر معه بعض تلامذته وأصحابه،
فلما مضى وكان مجلس الرماني مشحوناً من الفضلاء، جلس الشيخ المفيد في صف
النعال وبقي يتدرج للقرب كلما خلا المجلس شيئاً فشيئاً لاستفادة بعض المسائل
من صاحب المجلس، فاتفق أن رجلاً من أهل البصرة دخل وسأل الرماني فقال له: ما
تقول في حديث الغدير وقصة الغار؟
فقال الرماني: خبر الغار دراية وخبر
الغدير رواية والرواية لا تعارض الدراية.
ولما كان ذلك الرجل البصري ليس له قوة
المعارضة سكت وخرج، فقال الشيخ المفيد: إني لم أجد صبراً على السكوت عن ذلك،
فقلت: أيها الشيخ عندي سؤال. فقال: قل.
فقلت: ما تقول فيمن خرج على الإمام العادل
فحاربه؟
فقال: كافر، ثم استدرك فقال:
فاسق.
فقلت: ما تقول في أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب عليه السلام؟
فقال: إمام. فقلت له: ما تقول في حرب طلحة
والزبير له في حرب الجمل؟
فقال: إنهم تابوا. فقلت: خبر الحرب دراية
والتوبة رواية.
فقال: أو كنت حاضراً عند سؤال البصري؟
قلت: نعم.
فقال: رواية برواية وسؤالك متجه
وارد.
ثم إنه سأله من أنت؟ وعند من تقرأ من
علماء هذه البلاد؟
فقلت له: على الشيخ أبي عبد الله
(جُعل).
ثم قال لي: مكانك، ودخل منزله وبعد لحظة
خرج وبيده رقعة ممهورة فدفعها إليّ، وقال: إرفعها إلى شيخك أبي عبد
الله.
فأخذت الرقعة من يده ومضيت إلى مجلس الشيخ
المذكور فدفعت له الرقعة ففتحها وبقي مشغولاً بقراءتها وهو يضحك، فلما فرغ من
قراءتها قال: إن جميع ما جرى بينك وبينه قد كتب إلي به وأوصاني بك ولقبك
بالمفيد..
وفي كتاب (مجالس المؤمنين) أن صاحب كتاب
مصابيح القلوب وهو المولى أبو سعيد الحسن بن الحسين الشيعي السبزواري نقل هذه
الحكاية بوجه آخر مع القاضي عبد الجبار المعتزلي شيخ
المعتزلة.
قال: بينما القاضي عبد الجبار ذات يوم في
مجلسه في بغداد، ومجلسه مملوء من علماء الفريقين إذ حضر الشيخ المفيد ـ وكان
في أول اشتهاره ـ والقاضي قد سمع بشهرته ولم يره، فحضر الشيخ وجلس في صف
النعال.
وبعد ساعة قال للقاضي: إن لي سؤالاً فإن
أجزت بحضور هؤلاء الأئمة، فقال له القاضي: سل، فقال: ما تقول في هذا الخبر
ترويه طائفة من الشيعة (من كنت مولاه فعلي مولاه) أهو مسلّم صحيح عن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير؟
فقال: نعم خبر صحيح. فقال الشيخ: ما
المراد بلفظ المولى؟ قال: بمعنى الأولى، فقال الشيخ: فما هذا الخلاف والخصومة
بين الشيعة والسنة؟ فقال القاضي: أيها الأخ هذا الخبر رواية وخلافة أبي بكر
دراية، والعاقل لا يعادل الرواية بالدراية..
فعدل الشيخ إلى مسألة أخرى وأعرض عن
النزاع في الأولى فقال: ما تقول في قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي
عليه السلام: (حربك حربي، وسلمك سلمي). قال القاضي: الحديث صحيح. فقال الشيخ:
ما تقول في أصحاب الجمل فإنهم ـ بناءً على ما تقول ـ كفار؟
فقال القاضي: أيها الأخ إنهم تابوا، فقال
الشيخ: أيها القاضي الحرب دراية والتوبة رواية وأنت قد قررت في حديث الغدير
أن الرواية لا تعارض الدراية.
فصار القاضي متحيراً مبهوتاً ووضع رأسه
ساعة، وبعد ذلك رفع رأسه وقال: من أنت؟
فقال له الشيخ: خادمك محمد بن محمد بن
النعمان الحارثي.
فقام القاضي من مكانه وأخذ بيدي الشيخ
وأجلسه على مسنده وقال له: أنت المفيد حقاً، فتغيرت وجوه علماء المجلس مما
فعله القاضي بالشيخ المفيد.
فلما أبصر القاضي ذلك منهم قال: أيها
الفضلاء والعلماء إن هذا الرجل ألزمني وأنا عجزت عن جوابه، فإن كان أحد منكم
عنده جواب عما ذكره، فليذكره ليقوم الرجل ويرجع إلى مكانه الأول. ولما انفصل
المجلس شاعت هذه الحكاية واتصلت بعضد الدولة البويهي، فأرسل إلى الشيخ وسأله
فحكى له الشيخ الحكاية، فخلع عليه خلعة سنية وأمر له بفرس محلى بالزينة وأمر
له بوظيفة تجري عليه..
وهكذا بدأ هذا الشاب اليافع دراسته في
بغداد، مختاراً لها نخبة من أعلام عصره، وواهباً كل فراغه ووقته، وباذلاً في
سبيلها كل طاقته وجهده فكان نتاج ذلك هذا العلم الكثير
الشهير.. |