موقع ياقوت المحبة - لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

 
     
الشيخ محمد بن محمد المفيد ( 336 | 413هـ )
     

يعتبر الشيخ المفيد، واحداً من العلماء الأفذاذ في تاريخ الشيعة الإمامية الحافل بالعطاء والإبداع

والذي أرسى دعائم منهجه الكلامي والفقهي في مدرسة أهل البيت العلمية

u  اسمه ونسبه وولادته

قال النجاشي في كتابه: محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير بن وهيب بن هلال بن أوس بن سعيد بن سنان بن عبد الدار بن الريان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب بن علة بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان..

ولد في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 336هـ وقيل سنة 338هـ. وكانت ولادته في (عكبرا) وهي بلدة بينها وبين بغداد عشرة فراسخ..

ترعرع في كنف والده الذي لم نعرف من أخباره سوى كونه معلماً بمدينة واسط، ولذلك كان المفيد يكنى بـ(ابن المعلم) وما إن تجاوز المفيد سني الطفولة، وأتقن مبادئ القراءة والكتابة حتى انحدر به أبوه ـ وهو صبي ـ إلى بغداد حاضرة العلم ومهوى أفئدة المتعلمين..

فسارع إلى حضور مجلس درس الشيخ أبي عبد الله الحسين بن علي المعروف بـ (الجُعل) بمنزله بدرب رباح، ثم قرأ على (أبي ياسر) غلام أبي الجيش بباب خراسان...

u  لماذا يلقـّب بالمفيد؟

ذكر الشيخ ودام بن أبي فراس أن أبا ياسر معلم المفيد ربما عجزاً عن البحث معه ولأجل الخروج من عهدته، أشار إليه بالمضي إلى علي بن عيسى الرماني الذي هو من أعاظم علماء الكلام، وكان إماماً في العربية، علاّمة في الأدب، قال عنه أبو حيان التوحيدي: لم ير مثله قط علماً بالنحو وغزارة بالكلام وبصراً بالمقالات، واستخراجاً للعويص وإيضاحاً للمشكل، مع تأله وتنزه ودين وفصاحة وعفاف ونظافة..

حين طلب أبو ياسر من المفيد الذهاب إلى هذا العالم، قال المفيد: إني لا أعرفه ولا أجد أحداً يدلني عليه..

فأرسل أبو ياسر معه بعض تلامذته وأصحابه، فلما مضى وكان مجلس الرماني مشحوناً من الفضلاء، جلس الشيخ المفيد في صف النعال وبقي يتدرج للقرب كلما خلا المجلس شيئاً فشيئاً لاستفادة بعض المسائل من صاحب المجلس، فاتفق أن رجلاً من أهل البصرة دخل وسأل الرماني فقال له: ما تقول في حديث الغدير وقصة الغار؟

فقال الرماني: خبر الغار دراية وخبر الغدير رواية والرواية لا تعارض الدراية.

ولما كان ذلك الرجل البصري ليس له قوة المعارضة سكت وخرج، فقال الشيخ المفيد: إني لم أجد صبراً على السكوت عن ذلك، فقلت: أيها الشيخ عندي سؤال. فقال: قل.

فقلت: ما تقول فيمن خرج على الإمام العادل فحاربه؟

فقال: كافر، ثم استدرك فقال: فاسق.

فقلت: ما تقول في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟

فقال: إمام. فقلت له: ما تقول في حرب طلحة والزبير له في حرب الجمل؟

فقال: إنهم تابوا. فقلت: خبر الحرب دراية والتوبة رواية.

فقال: أو كنت حاضراً عند سؤال البصري؟ قلت: نعم.

فقال: رواية برواية وسؤالك متجه وارد.

ثم إنه سأله من أنت؟ وعند من تقرأ من علماء هذه البلاد؟

فقلت له: على الشيخ أبي عبد الله (جُعل).

ثم قال لي: مكانك، ودخل منزله وبعد لحظة خرج وبيده رقعة ممهورة فدفعها إليّ، وقال: إرفعها إلى شيخك أبي عبد الله.

فأخذت الرقعة من يده ومضيت إلى مجلس الشيخ المذكور فدفعت له الرقعة ففتحها وبقي مشغولاً بقراءتها وهو يضحك، فلما فرغ من قراءتها قال: إن جميع ما جرى بينك وبينه قد كتب إلي به وأوصاني بك ولقبك بالمفيد..

وفي كتاب (مجالس المؤمنين) أن صاحب كتاب مصابيح القلوب وهو المولى أبو سعيد الحسن بن الحسين الشيعي السبزواري نقل هذه الحكاية بوجه آخر مع القاضي عبد الجبار المعتزلي شيخ المعتزلة.

قال: بينما القاضي عبد الجبار ذات يوم في مجلسه في بغداد، ومجلسه مملوء من علماء الفريقين إذ حضر الشيخ المفيد ـ وكان في أول اشتهاره ـ والقاضي قد سمع بشهرته ولم يره، فحضر الشيخ وجلس في صف النعال.

وبعد ساعة قال للقاضي: إن لي سؤالاً فإن أجزت بحضور هؤلاء الأئمة، فقال له القاضي: سل، فقال: ما تقول في هذا الخبر ترويه طائفة من الشيعة (من كنت مولاه فعلي مولاه) أهو مسلّم صحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير؟

فقال: نعم خبر صحيح. فقال الشيخ: ما المراد بلفظ المولى؟ قال: بمعنى الأولى، فقال الشيخ: فما هذا الخلاف والخصومة بين الشيعة والسنة؟ فقال القاضي: أيها الأخ هذا الخبر رواية وخلافة أبي بكر دراية، والعاقل لا يعادل الرواية بالدراية..

فعدل الشيخ إلى مسألة أخرى وأعرض عن النزاع في الأولى فقال: ما تقول في قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي عليه السلام: (حربك حربي، وسلمك سلمي). قال القاضي: الحديث صحيح. فقال الشيخ: ما تقول في أصحاب الجمل فإنهم ـ بناءً على ما تقول ـ كفار؟

فقال القاضي: أيها الأخ إنهم تابوا، فقال الشيخ: أيها القاضي الحرب دراية والتوبة رواية وأنت قد قررت في حديث الغدير أن الرواية لا تعارض الدراية.

فصار القاضي متحيراً مبهوتاً ووضع رأسه ساعة، وبعد ذلك رفع رأسه وقال: من أنت؟

فقال له الشيخ: خادمك محمد بن محمد بن النعمان الحارثي.

فقام القاضي من مكانه وأخذ بيدي الشيخ وأجلسه على مسنده وقال له: أنت المفيد حقاً، فتغيرت وجوه علماء المجلس مما فعله القاضي بالشيخ المفيد.

فلما أبصر القاضي ذلك منهم قال: أيها الفضلاء والعلماء إن هذا الرجل ألزمني وأنا عجزت عن جوابه، فإن كان أحد منكم عنده جواب عما ذكره، فليذكره ليقوم الرجل ويرجع إلى مكانه الأول. ولما انفصل المجلس شاعت هذه الحكاية واتصلت بعضد الدولة البويهي، فأرسل إلى الشيخ وسأله فحكى له الشيخ الحكاية، فخلع عليه خلعة سنية وأمر له بفرس محلى بالزينة وأمر له بوظيفة تجري عليه..

وهكذا بدأ هذا الشاب اليافع دراسته في بغداد، مختاراً لها نخبة من أعلام عصره، وواهباً كل فراغه ووقته، وباذلاً في سبيلها كل طاقته وجهده فكان نتاج ذلك هذا العلم الكثير الشهير..

u  عصره..

عاش الشيخ المفيد معاصراً ـ في التاريخ السياسي ـ فترة إنكماش الدولة العباسية وضعفها ووهنها، أيام سيطرة أمراء الإقليم على حكم أقاليمهم وتولي بني بويه شؤون السلطة في بغداد.. وحظي هذا الشيخ ـ بسبب تشيع بني بويه ـ بما لم يحظ به غيره من أمثاله من ضروب الإعزاز والتقدير والجلالة العظيمة في الدولة البويهية، فكانت له صولة عظيمة بسبب عضد الدولة، كما كانت له وجاهة عند ملوك الاطراف لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيع، وبلغ من احترام عضد الدولة له أنه كان يزوره في داره ويعوده إذا مرض..

وعلى الرغم من كل هذه الوجاهة والجلالة، فقد اضطرت السلطات الحاكمة قمعاً للفتن الطائفية والاضطرابات المذهبية إلى نفيه مرتين من بغداد.

(أولاها): في سنة 393هـ عندما اختلت الأوضاع ببغداد، حيث بعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي بن أستاذ هرمز إلى العراق ليدبّر أمره، فوصل إلى بغداد فزيّنت له، وقمع المفسدين، ومنع السنة والشيعة من إظهار مذاهبهم، ونفى بعد ذلك ابن المعلم فقيه الإمامية..

(ثانيتها): في سنة 398هـ عندما جرت في عاشر شهر رجب فتنة بين أهل الكرخ والفقهاء بقطيعة الربيع.. وكان السبب أن بعض أهل باب البصرة قصد أبا عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في مسجده بدرب رباح وتعرض به تعرضاً امتعض منه أصحابه، فساروا واستنفروا أهل الكرخ.. ونشأت من ذلك فتنة عظيمة..

وبلغ ذلك الخليفة فأحفظه وأنفذ الخول الذين على بابه معاونة أهل السنة، فبلغ الخبر إلى عميد الجيوش فسار ودخل بغداد، فراسل أبا عبد الله ابن المعلم بأن يخرج عن البلد ولا يساكنه، ووكل به، فخرج في ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان، فسأل علي بن مزيد في ابن المعلم فُردّ..

u  شيوخه وتلامذته

بذل المفيد جهوداً جبارة في سبيل التفقه والتعلم، نستشفها من أسماء الرجال الذين قرأ عليهم واتصل بهم واتصلوا به، ولا يسعنا في هذا المجال إيراد جميع شيوخه وتلامذته الذين يربو عددهم على ثلاثة وستين فاضلاً من العلماء والشيوخ.. وسنقتصر على قسم منهم..

أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع الصيمري ـ أحمد بن محمد بن جعفر الصولي ـ أحمد بن محمد بن الحسن القمي ـ إسماعيل بن محمد الأنباري ـ الحسن بن حمزة بن علي الطبري ـ الحسين بن علي بن شيبان القزويني ـ علي بن خالد المراغي ـ عمر بن محمد بن علي الصيرفي ـ محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي ـ محمد بن علي بن الحسين الصدوق ـ محمد بن عمران المرزباني ـ المظفر بن محمد البلخي.

وكان من جملة طلابه:

الشريف الرضي ـ الشريف المرتضى ـ محمد بن علي الكراجكي ـ أحمد بن علي النجاشي ـ الشيخ الطوسي.. وكثيرون غيرهم..

u  صفاته وأخلاقه

ذكر المؤرخون في جملة ما ذكروا عن حياته الخاصة وصفاته الشخصية أنه (كان شيخاً ربعة نحيفاً أسمر، كثير الصدقات عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، حسن اللباس، كثير التقشف والتخشع والانكباب على طلب العلم، ما كان ينام من الليل إلاّ هجعة ثم يقوم يصلي أو يطالع أو يتلو القرآن).

يبرز المفيد بين أعلام عصره بفن (المناظرة) واشتهر بذلك بين الناس بمختلف آرائهم وطوائفهم. وذكر ابن الجوزي أنه (كان لابن المعلم مجلس نظر بداره بدرب رباح يحضره كافة العلماء). وزاد ابن كثير الدمشقي في وصف هذا المجلس بقوله: كان مجلسه يحضره كثير من العلماء من سائر الطوائف..

u  وثاقته

ذكر يحيى بن البطريق الحلي فيما نقل عن رسالته (نهج العلوم إلى نفي المعدوم) قال:

(إن لنا طريقين في تزكية هذا الشيخ الجليل، أحدهما صحة نقله من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، بما هو مذكور في تصانيفه من (المقنعة) وغيرها. وأما الطريق الثاني في تزكيته، ما يرويه كافة الشيعة وتتلقاه بالقبول، من أن مولانا صاحب الأمر (صلوات الله عليه وعلى آبائه) كتب إليه ثلاثة كتب في كل سنة كتاباً، وكان نسخة عنوان الكتاب إليه (للأخ السديد والولي الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه) وهذا أوفى مدح وتزكية، وازكى ثناء وتطرية يقوله إمام الأمة، وخلف الأئمة عليهم السلام..

u  مؤلفاته

بلغت آثار الشيخ المفيد التي تركها لنا (195) مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة في مختلف العلوم من عقائد وكلام وأصول وفقه، ويمكن أن نذكر منها على سبيل المثال:

كتاب المقنعة ـ الأركان في دعائم الدين ـ كتاب الإيضاح في الإمامة ـ كتاب الإفصاح في الإمامة ـ كتاب الإرشاد ـ كتاب العيون والمحاسن ـ كتاب الرد على الجاحظ والعثمانية ـ كتاب نقض المروانية ـ كتاب المسائل الصاغانية ـ كتاب في المتعة ـ كتاب مناسك الحج ـ كتاب المسائل العشر في الغيبة ـ كتاب أصول الفقه ـ كتاب الموضح في الوعيد ـ كتاب كشف الالتباس ـ كتاب كشف السرائر ـ كتاب إيمان أبي طالب ـ كتاب الكلام في وجوه إعجاز القرآن ـ كتاب أوائل المقالات ـ كتاب المزار الصغير..

u  وفاته

كانت وفاة الشيخ المفيد ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان سنة 413 هـ. وصلى عليه السيد المرتضى بميدان الاشنان، وضاق على الناس مع كبره، ودفن في داره سنين، ثم نقل إلى مقابر قريش بالقرب من جانب رجلي الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) إلى جانب قبر الشيخ الصدوق أبي القاسم جعفر بن محمد ابن قولويه.. وقبره الآن معروف في وسط الرواق الشرقي في المشهد الكاظمي.. وقد وجد مكتوباً على قبره:

لا صوت النــــاعي بفقدك إنـــــه          يوم على آل الرسول عظيم

إن كنت قد غيبت في جدث الثرى          فــالعلم والتوحيد فيك مقيم

والقائم المهدي يفـــــــرح كلّما          تليت عليك من الدروس علوم

وتنسب هذه الأبيات لصاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه)..

وقد بلغ عدد مشيعيه ثمانين ألفاً...

u  من أقوال العلماء فيه

قال ابن الجوزي في المنتظم: (شيخ الإمامية وعالمها، صنّف على مذهبهم، ومن أصحابه المرتضى، وكانت له منزلة عند أمراء الأطراف).

وقال اليافعي في (مرآة الجنان) في حوادث سنة 413هـ: (وفيها توفي عالم الشيعة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم البارع في الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية)..

وقال ابن النديم في (الفهرست): في عصرنا انتهت رياسة متكلمي الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً)..

 

- نقلا عن مجلة الكلمة -

 

جميع الحقوق محفوظة لياقوت المحبة لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

تأسس الموقع في شهر رمضان 1419هـ