موقع ياقوت المحبة - لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

 
     
الشيخ علي ابن موسى ابن طاووس ( 589 | 664 هـ )
     

ينحدر ابن طاووس من أشرف الأسر العلمية في الحلة وشهرتهم واسعة. كانوا بسوراء المدينة، ثم انتقلوا إلى بغداد والحلة، ولقب جدهم محمد بالطاووس لحسن وجهه وجماله.

وقد نبغ منهم علماء فطاحل هم مفخرة السادات العلويين، ولم تزل آثارهم العلمية حتى الآن محط أنظار العلماء والأساتذة، منهم المترجم له وأخوه السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد. وكان لوالدهما (موسى) أربعة أولاد، كلهم علماء فضلاء أتقياء. والولدان الآخران هما شرف الدين محمد وعز الدين الحسن، وأبو القاسم رضي الدين علي هو الذي اشتهر من بين أفراد أسرته بلقب (أبن طاووس).

u  اسمه ونسبه

هو رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد الطاووس العلوي الحسني.

ينتهي نسبه من جهة الأب إلى السيد الأجل أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن الحسن بن محمد بن سليمان بن داوود بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى (ع)..

وأما أمه وأم أخيه السيد جمال الدين، فهي بنت الشيخ مسعود الورام بن أبي فراس المالكي، صاحب كتاب (المجموع) المشهور.

وابن طاووس من أجلاّء الطائفة وثقاتها، جليل القدر، عظيم المنزلة، كثير الحفظ، نقي الكلام، حاله في العلم والعبادة والفضل والزهد والثقة والفقه والجلالة والورع أشهر من أن يُذكر، وكان أيضاً شاعراً، أديباً، منشئاً، بليغاً.

u  ولادته

ولد رضي الدين بن طاووس بالحلة سنة 589 هـ، ثم أقام ببغداد نحواً من (15) سنة ثم رجع إلى الحلة، ثم سكن النجف الأشرف برهة، ثم عاد إلى بغداد في أيام دولة المغول وبقي فيها إلى حين وفاته.

عرضت عليه نقابة العلويين في عصر المستنصر العباسي فأبى، وعرضت عليه في زمن المغول فوافق، فتولاّها سنة 661 هـ وبقي فيها (3) سنين و(11) شهراً إلى أن توفي، واستمرت النقابة في عقبه من بعده.

u  مشايخه

كان منهم الشيخ حسين بن محمد السوراوي، وأبو الحسن الخياط، وأبو السعادات الأصفهاني، والشيخ نجم الدين ابن نما.

u  تلاميذه ومَن روى عنه

منهم العلامة الحلي ووالده الشيخ يوسف بن علي بن المطهّر الحلي. ومنهم الشيخ القسيني وأبناؤه الشيخ جعفر والشيخ علي. ومن تلاميذه السيد غياث عبد الكريم بن أحمد بن طاووس.

u  مؤلفاته

للسيد ابن طاووس (قدس سره) مصنّفات كثيرة ربما تجاوزت الأربعين مؤلفاً في علوم شتى، كالفقه والعقائد.

من مصنفاته المشهورة:

1 ـ الملاحم والفتن.

2 ـ فرج المهموم.

3 ـ سعد السعود.

4 ـ الملهوف على قتلى الطفوف.

5 ـ الطرائق في معرفة مذاهب الطوائف.

6 ـ محاسبة النفس.

u  أقوال العلماء فيه

قال المحقق البحراني: (نقل بعض أصحابنا أن السيد المذكور ـ مع كثرة تصانيفه ـ لم يصنّف في الفقه تورعاً من الفتوى وخطرها وشدة ما ورد فيها).

وقال العلامة الحلي في بعض إجازاته: (كان رضي الدين علي صاحب كرامات، حكي لي بعضها، وروى لي والدي البعض الآخر).

وقال في موضع آخر: (إن السيد رضي الدين كان أزهد أهل زمانه.

وقال السيد التفريشي عنه: (من أجلاّء هذه الطائفة وثقاتها، جليل القدر، عظيم المنزلة، كثير الحفظ، نقي الكلام، حاله في العبادة أشهر من أن يُذكر، له كتب حسنة).

وقال المحقق الشيخ أسد الله الدزفولي الكاظمي: (السيد السند، المعظم المعتمد، العالم العابد الزاهد، الطيب الطاهر، مالك أزمة المناقب والمفاخر، صاحب الدعوات والمقامات، والمكاشفات والكرامات، مظهر الفيض السَّني، واللطف الجلي، أبي القاسم رضي الدين علي، بوّأه الله تحت ظله العرشي، وأنزل عليه بركاته كل غداةٍ وعشي).

وقال عنه عمر رضا كحّالة: (فقيه، محدث، مؤرخ، أديب، شارك في بعض العلوم، وله تصانيف كثيرة).

u  وفاته ومدفنه

توفي في بغداد يوم الاثنين خامس ذي العقدة سنة 664 هـ (1) وهذا من المتفق عليه. ولكن وقع الاختلاف في الكلام عن مدفنه، فمنهم من ذهب إلى أن قبره مجهول (2) وآخر إلى أنه في الحلة (3) وبعض إلى أن القبر المعروف في الحلة هو قبر أبنه (4). وله كلام في (فلاح السائل) يدل على أنه اختار لنفسه قبراً في النجف قرب مرقد أمير المؤمنين (ع)(5).

ويؤيده ما ذكره ابن الفوطي في (الحوادث الجامعة) قال: توفي السيد النقيب الطاهر رضي الدين علي بن طاووس، وحمل إلى مشهد جده علي بن أبي طالب (ع) (6).

u  ابن طاووس ومكانته

من خلال دراسة الفترة التي قضاها السيد ابن طاووس في بغداد يتبين أنه كان يتمتع بمكانة مرموقة يشار لها بالبنان، سواء على صعيد علاقاته بالمجتمع العلمي المتمثل حينذاك بعلماء المدرسة النظامية والمستنصرية ومناظراته معهم، أو على مستوى صلاته بالنظام القائم آنذاك على الرغم من عدم اهتمامه بالشؤون السياسية في تلك الفترة (7).

وكان له مع الخليفة المستنصر من مكانة الصلة وقوة العلاقة ما يعتبر في طليعة ما حفل به تأريخه في بغداد. وكان من أول مظاهرها إنعام الخليفة عليه بدار سكناه، ثم أصبحت للسيد من الدالة ما يسمح له بالسعي لدى المستنصر في تعيين الرواتب للمحتاجين (8) وما يدفع المستنصر لمفاتحته في تسليم الوزارة له، ولعل حب المستنصر ـ كأبيه ـ للعلويين وعطفه عليهم واهتمامه بشؤونهم، هو السبب في هذه العلاقة الأكيدة القوية، وفي تدعيهما واستمرارها طوال تلك السنين(9).

ويذكر السيد ابن طاووس في مؤلفاته محاولات الخليفة المستنصر لإقناعه بقبول منصب الإفتاء تارة، ونقابة الطالبين تارة أخرى(10) حتى وصل الأمر إلى أن عرض عليه الوزارة فرفضها، مبرراً ذلك بقوله للمستنصر: (إن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشّون أمورهم بكل مذهب وكل سبب، سواء كان ذلك موافقاً لرضا الله جل جلاله ورضا سيد الأنبياء والمرسلين أو مخالفاً لهما في الآراء، فإنك مَن أدخلته في الوزارة بهذه القاعدة قام بما جرت عليه العوائد الفاسدة، وإن أردت العمل في ذلك بكتاب الله جل جلاله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا أمر لا يحتمله من في دارك ولا مماليكك ولا خدمك ولا حشمك ولا ملوك الأطراف، ويقال لك إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف والزهد: إن هذا علي ابن طاووس علوي حسني ما أراد بهذه الأمور إلا أن يعرف أهل الدهور أن الخلافة لو كانت إليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، وأن في ذلك رداً على الخلفاء من سلفك وطعناً عليهم(11).

وعاد بعد ذلك إلى الحلة، والظاهر أن عودته كانت في أواخر عهد المستنصر، فبقي هناك مدة من الزمن، ثم انتقل إلى النجف فبقي فيها ثلاث سنين، ثم انتقل إلى كربلاء، وكان ينوي الإقامة فيها ثلاث سنين، ثم عاد إلى بغداد سنة 652 هـ، وبقي فيها إلى حين احتلال المغول بغداد. فشارك في أهوالها، وشملته آلامها، وفي ذلك يقول: (تمّ احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الاثنين 18 محرم سنة 656 هـ، وبتنا ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية، فسلمنا الله جل جلاله من تلك الأهوال)(12).

وفي بغداد بعد أن استقر الأمر لهولاكو أمر أن يُستفتى العلماء: أيهما أفضل السلطان الكافر العادل أو السلطان المسلم الجائر؟ فجمع العلماء بالمستنصرية لذلك، فلما وقفوا على المسألة اجتمعوا على الجواب، وكان السيد رضي الدين بن طاووس حاضراً المجلس، وكان مقدماً محترماً، فلما رأى إحجامهم تناول الورقة وكتب بخطه: الكافر العادل أفضل من المسلم الجائر. فوضع العلماء خطوطهم معتمدين عليه (13).

إنّ كل دارس لحياة السيد ابن طاووس يعرف أن له مقاماً فوق مستوى العقول في قداسة النفس، ووفور العلم، وشدة الاحتياط، والورع غير المتناهي، وأخذ الحذر عما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، مع ما تحمله من الجهد في إسعاف الأمة بما يهذبها ويرتقي بها إلى أوج النزاهة. إما بنصائحه البالغة وإرشاداته القيمة، كما تدل عليه رسالته إلى ولده التي أسماها (كشف المحجّة).

وإما بإدلاء الحجج والبراهين لمعرفة الدين ومن هم الوسائط في الكشف عنه، كما يرشد إليه كتابه (كشف اليقين) وكتاب (الطرائف) وكتاب (الطرف).

وإما بإلزامهم بالغاية الفذة من الخلقة وهي العبادة لله جل شأنه والتقرب إليه، ويدل عليه كتاب (الإقبال) وكتاب (فلاح السائل) و(جمال الأسبوع) و(مهج الدعوات).

وإما بلفت الأنظار إلى صحيح التاريخ الذي هو العبرة للمعتبر، وداع إلى السير وراء آثار السلف الصالح، والتحذير مما يوجب تدهور الماضين إلى الضعة والسقوط، وينبئ عنه كتابه (الاصطفاء في تاريخ الملوك والخلفاء).

وإما بالتطرق إلى فقه الشريعة والإرشاد وإلى كيفية استنباط الأحكام من أحاديث آل الرسول (ع) ويدل عليه كتابه (غياث سلطان الورى لسكان الثرى).

إلى غير ذلك من تآليفه القيمة ـ التي ذكرناها في موضع سابق ـ وكلها يد بيضاء على الأمة وبها كان شاخصاً أمام أعين القراء، ماثلاً بين العلماء، له مكانة خالدة في القلوب.

المصادر

1 ـ أعيان الشيعة. ج8، ص358.

2 ـ لؤلؤة البحرين، الشيخ يوسف البحراني ص241.

3 ـ مستدرك الوسائل. ج3، ص358.

4 ـ لؤلؤة البحرين، ص241.

5 ـ فلاح الوسائل/ 73.

6 ـ الحوادث الجامعة، ص256 .

7 ـ كشف المحجة، ص75.

8 ـ فرج المهموم، ص126.

9ـ السيد علي آل طاووس، ص7.

10 ـ كشف المحجة، ص112.

11 ـ كشف المحجة، ص114.

12 ـ المصدر نفسه، ص118.

13 ـ الفخري في الآداب السلطانية، ص11.

 

 - نقلاً عن مجلة الكلمة -

 

جميع الحقوق محفوظة لياقوت المحبة لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

تأسس الموقع في شهر رمضان 1419هـ