من خلال دراسة الفترة التي قضاها السيد ابن طاووس في بغداد
يتبين أنه كان يتمتع بمكانة مرموقة يشار لها بالبنان، سواء على صعيد علاقاته
بالمجتمع العلمي المتمثل حينذاك بعلماء المدرسة النظامية والمستنصرية
ومناظراته معهم، أو على مستوى صلاته بالنظام القائم آنذاك على الرغم من عدم
اهتمامه بالشؤون السياسية في تلك الفترة (7).
وكان له مع الخليفة المستنصر من مكانة الصلة وقوة العلاقة ما
يعتبر في طليعة ما حفل به تأريخه في بغداد. وكان من أول مظاهرها إنعام
الخليفة عليه بدار سكناه، ثم أصبحت للسيد من الدالة ما يسمح له بالسعي لدى
المستنصر في تعيين الرواتب للمحتاجين (8)
وما يدفع المستنصر لمفاتحته في تسليم الوزارة له، ولعل حب المستنصر ـ كأبيه ـ
للعلويين وعطفه عليهم واهتمامه بشؤونهم، هو السبب في هذه العلاقة الأكيدة
القوية، وفي تدعيهما واستمرارها طوال تلك السنين(9).
ويذكر السيد ابن طاووس في مؤلفاته محاولات الخليفة المستنصر
لإقناعه بقبول منصب الإفتاء تارة، ونقابة الطالبين تارة أخرى(10)
حتى وصل الأمر إلى أن عرض عليه الوزارة فرفضها، مبرراً ذلك بقوله للمستنصر:
(إن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء يمشّون أمورهم بكل مذهب وكل سبب،
سواء كان ذلك موافقاً لرضا الله جل جلاله ورضا سيد الأنبياء والمرسلين أو
مخالفاً لهما في الآراء، فإنك مَن أدخلته في الوزارة بهذه القاعدة قام بما
جرت عليه العوائد الفاسدة، وإن أردت العمل في ذلك بكتاب الله جل جلاله وسنة
رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذا أمر لا يحتمله من في دارك ولا مماليكك
ولا خدمك ولا حشمك ولا ملوك الأطراف، ويقال لك إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف
والزهد: إن هذا علي ابن طاووس علوي حسني ما أراد بهذه الأمور إلا أن يعرف أهل
الدهور أن الخلافة لو كانت إليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، وأن في
ذلك رداً على الخلفاء من سلفك وطعناً عليهم(11).
وعاد بعد ذلك إلى الحلة، والظاهر أن عودته كانت في أواخر عهد
المستنصر، فبقي هناك مدة من الزمن، ثم انتقل إلى النجف فبقي فيها ثلاث سنين،
ثم انتقل إلى كربلاء، وكان ينوي الإقامة فيها ثلاث سنين، ثم عاد إلى بغداد
سنة 652 هـ، وبقي فيها إلى حين احتلال المغول بغداد. فشارك في أهوالها،
وشملته آلامها، وفي ذلك يقول: (تمّ احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الاثنين
18 محرم سنة 656 هـ، وبتنا ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية، فسلمنا الله جل
جلاله من تلك الأهوال)(12).
وفي بغداد بعد أن استقر الأمر لهولاكو أمر أن يُستفتى العلماء:
أيهما أفضل السلطان الكافر العادل أو السلطان المسلم الجائر؟ فجمع العلماء
بالمستنصرية لذلك، فلما وقفوا على المسألة اجتمعوا على الجواب، وكان السيد
رضي الدين بن طاووس حاضراً المجلس، وكان مقدماً محترماً، فلما رأى إحجامهم
تناول الورقة وكتب بخطه: الكافر العادل أفضل من المسلم الجائر. فوضع العلماء
خطوطهم معتمدين عليه (13).
إنّ كل دارس لحياة السيد ابن طاووس يعرف أن له مقاماً فوق
مستوى العقول في قداسة النفس، ووفور العلم، وشدة الاحتياط، والورع غير
المتناهي، وأخذ الحذر عما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، مع ما تحمله من الجهد
في إسعاف الأمة بما يهذبها ويرتقي بها إلى أوج النزاهة. إما بنصائحه البالغة
وإرشاداته القيمة، كما تدل عليه رسالته إلى ولده التي أسماها (كشف
المحجّة).
وإما بإدلاء الحجج والبراهين لمعرفة الدين ومن هم الوسائط في
الكشف عنه، كما يرشد إليه كتابه (كشف اليقين) وكتاب (الطرائف) وكتاب
(الطرف).
وإما بإلزامهم بالغاية الفذة من الخلقة وهي العبادة لله جل
شأنه والتقرب إليه، ويدل عليه كتاب (الإقبال) وكتاب (فلاح السائل) و(جمال
الأسبوع) و(مهج الدعوات).
وإما بلفت الأنظار إلى صحيح التاريخ الذي هو العبرة للمعتبر،
وداع إلى السير وراء آثار السلف الصالح، والتحذير مما يوجب تدهور الماضين إلى
الضعة والسقوط، وينبئ عنه كتابه (الاصطفاء في تاريخ الملوك والخلفاء).
وإما بالتطرق إلى فقه الشريعة والإرشاد وإلى كيفية استنباط
الأحكام من أحاديث آل الرسول (ع) ويدل عليه كتابه (غياث سلطان الورى لسكان
الثرى).
إلى غير ذلك من تآليفه القيمة ـ التي ذكرناها في موضع سابق ـ
وكلها يد بيضاء على الأمة وبها كان شاخصاً أمام أعين القراء، ماثلاً بين
العلماء، له مكانة خالدة في القلوب.