تعد الفترة التي قضاها الشيخ البهائي في (بعلبك) غير واضحة
تماماً في سيرة الأب والابن معاً، بسبب الصراع الناشئ بين العثمانيين
والصفويين، حيث آثر أبو شيخنا البهائي أن يقبع هناك منسياً خوفاً من بطش
العثمانيين لأنه كان تلميذ الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن علي ومن
المقربين إليه..
وقد انصرف الأب إلى تعليم وتلقين ابنه مما أتاح للشيخ البهائي
ان يبدأ علاقة مبكرة مع المعرفة، إلى أن حلت سنة 965 هـ حيث وقعت الواقعة على
الفقهاء الشيعة في المنطقة، وعلى بيت بهاء الدين بالذات بقتل شيخهم زين الدين
بن علي الشهيد الثاني على يد السلطة العثمانية الأمر الذي كان بمثابة نذير
لأولئك الفقهاء بأن ينجوا بأنفسهم، وكان أبو الشيخ البهائي من أوائل من هاجر
من بعلبك إلى إيران.
وقد امتلأت نفسه غضباً ورعباً للقتلة الشنيعة التي قُتل بها
أستاذه، على يد جلاوزة العثمانيين إثر ملاحقة عنيدة بدأت في (جبل عامل)
وانتهت في (مكة) وتحديداً في (المسجد الحرام) وقد أشار إلى ذلك ـ أبو شيخنا
البهائي ـ في مقدمة كتابه (الدراية) حيث قال : (ومما حثني على تأليف هذه
الرسالة، بعد هربي من أهل الطغيان).
وكان عمر بهاء الدين عندما هاجر به أبوه إلى إيران، اثنتا عشر
أو ثلاث عشرة سنة.. وبعد أن حط الرحال في إيران وهو بعد في ميعة الصبا ومقتبل
الشباب، انتظم في سلك الدراسة لدى شيوخ وأساتذة كبار، في موضوعات متقدمة..
فقرأ على أهم شيوخه بعد أبيه : عبد الله بن شهاب الدين حسين اليزدي الشهير
بالملا عبد الله، المتوفى في سنة 981 هـ حيث أخذ عنه المنطق والكلام والمعاني
والبيان والعربية والطب عن الحكيم عماد الدين محمود، اشهر أطباء إيران في
عصره، والطبيب الخاص للشاه طهماسب الأول، والرياضيات والكلام والفلسفة عن
مولانا أفضل القاييني والرياضيات أيضاً عن المولى علي المذهّب المدرس..
وقد انفرد آغا بزرك الطهراني بقوله انه (قرأ الرياضيات والحكمة
مقدار سنة عند الشيخ أحمد النهمتي الكهدمي، المعروف بـ (بير احمد).
وقد نجح الشيخ البهائي في توطيد مكانة له في إيران، وبنى شهرة
كبيرة وصلت خارجها وخصوصاً إلى (الشام) في الفترة الممتدة بين سنة 984 هـ
وسنة 991هـ بدأ رحلته خارج إيران التي تضاربت الأقوال في مدتها، فابن معصوم،
علي خان المدني المتوفى سنة 1120 هـ يقول في سلافة العصر / 290.
(ثم رغب في الفقر والسياحة، واستهبّ من مهاب التوفيق رياحه،
فترك تلك المناصب، ومال لما هو لحاله مناسب، فقصد حج بيت الله الحرام، وزيارة
النبي وأهل بيته الكرام، عليهم أفضل الصلاة والسلام، ثم أخذ في السياحة، فساح
ثلاثين سنة).. ولكن التنكابني، محمد بن سليمان في قصص العلماء / 236 يقول
(وطالت سفرته أربع سنوات، منها سنتان في مصر والحقيقة ان تلك الرحلة لم تطل
أكثر من سنة وشهرين على ابعد تقدير، منذ أواخر شهر رجب سنة 991 هـ، حتى أوائل
شهر رمضان سنة 992، وقد أرّخ شيخنا البهائي تاريخ البدء بخط يده على هامش
مجموعة جده شمس الدين محمد بن علي الجباعي، وفيها (في تاريخ العشرين من رجب
المرجب سنة إحدى وتسعين وتسعمائة في أصفهان، أيام العزم على التوجه إلى بيت
الله الحرام)..
أما تاريخ عودته حيث كتب بخطه ما يلي :
(قد سنح بالخاطر ليلة الثلاثاء خامس شهر رمضان المبارك سنة 992
هـ أيام المعاودة من مكة المكرمة.
وقد اتخذ سبيله إلى العراق.. حيث نقرأ في الكشكول:
مقطوعة شعرية قصيرة تحت عنوان (وله وقد اشرف على مدينة سرى من
رأى) يقول فيها: