موقع ياقوت المحبة - لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

 
     
الشيخ بهاء الدين العاملي البهائي (  952 | 1020هـ )
     

قال الله في محكم كتابه (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) وقال تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير).

وعن رسول الله (ص) قال في فضل العلم (فضل العلم أحب إليّ من فضل العبادة) وعن فضل العلماء قال رسول الله (ص) (العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء وورثتي، وورثة الأنبياء).

إلى الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تحدثت عن العلم والعلماء وفضلهما.

وقد استوعب الشيعة على مر تاريخهم تلك الحقائق وتعاملوا معها بروحية إسلامية رائعة، فتراهم يكرمون علماءهم ويحثون أبناءهم على طلب العلم والمعرفة، تأسياً بعلمائهم الأبرار وأئمتهم الطاهرين الذين كانوا القدوة المثلى في كل ميدان من ميادين الحياة..

وبهاء الدين العاملي المعروف بـ(البهائي) واحد من تلك الكوكبة المباركة من علماء الشيعة الذي استوعب معارف عصره وأخذ من كل منها ما يتفق وعقائده الحقة، ليؤسس بنيانه المعرفي والفكري، وليكون واحداً من العلماء الذين ينحني التاريخ أمامهم إكباراً وإجلالاً.

u  نسبه وولادته

يعود نسبه البعيد إلى الحارث الهمداني صاحب أمير المؤمنين (ع) و(الهمداني) نسبة إلى همدان القبيلة العربية المشهورة وهم حي من اليمن.

والحارث الهمداني هو الذي قال فيه أمير المؤمنين (ع) شعراً منه:

يا حار همدان من يمت يرني          من مؤمن أو منافق قبلا

وكانوا مخلصين في ولاء علي (ع) وصبروا معه يوم صفين، روي أنهم في بعض أيامها حين استمر القتل ورأوا فرار الناس عمدوا إلى اغماد سيوفهم فكسروها وعقلوا أنفسهم بعمائمهم وبركوا للقتل فقال فيهم علي (ع):

لهمدان أخلاق ودين يزينهـا          وبأس إذا لاقوا وحسن كلام

فلو كنت بواباً على باب جنة          لقلت لهمدان ادخلـوا بسلام

وقال (ع) يوم الجمل : لو تمت عدتهم ألفاً لعبد الله حق عبادته وكان إذا رآهم يتمثل بقول الشاعر:

ناديت همدان والأبواب مغلقة          ومثل همدان سنى فتحة الباب

كالهندواني لم تفلل فصــار به          وجه جميل وقلب غير وجاب

وهو الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمد بن علي بن الحسين بن صالح الحارثي الهمداني العاملي الجبعي.. لا يوجد خلاف يستحق الوقوف عنده حول مكان ولادته وتاريخها.. ويعود الفضل في ذلك إلى ما درج عليه الفقهاء من تقليد في إثبات تاريخ ولادة ابنائهم على الغلاف الداخلي لاحد الكتب.. والفضل بالدرجة الثانية يعود لمؤلف (الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية) علي صدر الدين المدني المتوفى في السنة 1120 هـ، حيث نقل في الصفحة الثالثة من كتابه ان مولد بهاء الدين (عند غروب الشمس يوم الأربعاء سابع عشر ذي الحجة الحرام سنة 952 هـ.

أما مكان ولادته فالمصادر المعتمدة تُجمع على انه كان في مدينة (بعلبك).

u  عصره ونشأته

تعد الفترة التي قضاها الشيخ البهائي في (بعلبك) غير واضحة تماماً في سيرة الأب والابن معاً، بسبب الصراع الناشئ بين العثمانيين والصفويين، حيث آثر أبو شيخنا البهائي أن يقبع هناك منسياً خوفاً من بطش العثمانيين لأنه كان تلميذ الشهيد الثاني الشيخ زين الدين بن علي ومن المقربين إليه..

وقد انصرف الأب إلى تعليم وتلقين ابنه مما أتاح للشيخ البهائي ان يبدأ علاقة مبكرة مع المعرفة، إلى أن حلت سنة 965 هـ حيث وقعت الواقعة على الفقهاء الشيعة في المنطقة، وعلى بيت بهاء الدين بالذات بقتل شيخهم زين الدين بن علي الشهيد الثاني على يد السلطة العثمانية الأمر الذي كان بمثابة نذير لأولئك الفقهاء بأن ينجوا بأنفسهم، وكان أبو الشيخ البهائي من أوائل من هاجر من بعلبك إلى إيران.

وقد امتلأت نفسه غضباً ورعباً للقتلة الشنيعة التي قُتل بها أستاذه، على يد جلاوزة العثمانيين إثر ملاحقة عنيدة بدأت في (جبل عامل) وانتهت في (مكة) وتحديداً في (المسجد الحرام) وقد أشار إلى ذلك ـ أبو شيخنا البهائي ـ في مقدمة كتابه (الدراية) حيث قال : (ومما حثني على تأليف هذه الرسالة، بعد هربي من أهل الطغيان).

وكان عمر بهاء الدين عندما هاجر به أبوه إلى إيران، اثنتا عشر أو ثلاث عشرة سنة.. وبعد أن حط الرحال في إيران وهو بعد في ميعة الصبا ومقتبل الشباب، انتظم في سلك الدراسة لدى شيوخ وأساتذة كبار، في موضوعات متقدمة.. فقرأ على أهم شيوخه بعد أبيه : عبد الله بن شهاب الدين حسين اليزدي الشهير بالملا عبد الله، المتوفى في سنة 981 هـ حيث أخذ عنه المنطق والكلام والمعاني والبيان والعربية والطب عن الحكيم عماد الدين محمود، اشهر أطباء إيران في عصره، والطبيب الخاص للشاه طهماسب الأول، والرياضيات والكلام والفلسفة عن مولانا أفضل القاييني والرياضيات أيضاً عن المولى علي المذهّب المدرس..

وقد انفرد آغا بزرك الطهراني بقوله انه (قرأ الرياضيات والحكمة مقدار سنة عند الشيخ أحمد النهمتي الكهدمي، المعروف بـ (بير احمد).

وقد نجح الشيخ البهائي في توطيد مكانة له في إيران، وبنى شهرة كبيرة وصلت خارجها وخصوصاً إلى (الشام) في الفترة الممتدة بين سنة 984 هـ وسنة 991هـ بدأ رحلته خارج إيران التي تضاربت الأقوال في مدتها، فابن معصوم، علي خان المدني المتوفى سنة 1120 هـ يقول في سلافة العصر / 290.

(ثم رغب في الفقر والسياحة، واستهبّ من مهاب التوفيق رياحه، فترك تلك المناصب، ومال لما هو لحاله مناسب، فقصد حج بيت الله الحرام، وزيارة النبي وأهل بيته الكرام، عليهم أفضل الصلاة والسلام، ثم أخذ في السياحة، فساح ثلاثين سنة).. ولكن التنكابني، محمد بن سليمان في قصص العلماء / 236 يقول (وطالت سفرته أربع سنوات، منها سنتان في مصر والحقيقة ان تلك الرحلة لم تطل أكثر من سنة وشهرين على ابعد تقدير، منذ أواخر شهر رجب سنة 991 هـ، حتى أوائل شهر رمضان سنة 992، وقد أرّخ شيخنا البهائي تاريخ البدء بخط يده على هامش مجموعة جده شمس الدين محمد بن علي الجباعي، وفيها (في تاريخ العشرين من رجب المرجب سنة إحدى وتسعين وتسعمائة في أصفهان، أيام العزم على التوجه إلى بيت الله الحرام)..

أما تاريخ عودته حيث كتب بخطه ما يلي :

(قد سنح بالخاطر ليلة الثلاثاء خامس شهر رمضان المبارك سنة 992 هـ أيام المعاودة من مكة المكرمة.

وقد اتخذ سبيله إلى العراق.. حيث نقرأ في الكشكول:

مقطوعة شعرية قصيرة تحت عنوان (وله وقد اشرف على مدينة سرى من رأى) يقول فيها:

أسرع السير أيهـا الحادي          ان قلبي إلى الحمى صادي

وإذا ما رأيت عـن كثـــــب          مشهد العسكري والهــادي

فألثم الأرض خاضـعاً فلقـد           نلت والله خير اسعــــــــــاد

وإذا ما حللــت ناديهــــــــم          يا سقاه الإله من نـــــــادي

فالثم الأرض خاضعـاً ولهاً          واخلع النعل انه الــــوادي

وكذلك زار مشهد الإمام أمير المؤمنين (ع) في النجف الأشرف وقال شعراً :

هذا الافق المبين قـد لاح لديـــــــــك          فاسجد متذلــلاً وعفّر خديـك

ذا طور سينين فاغضض الطرف به          هذا حرم العزة، فاخلع نعليك

ومن العراق اتجه صوب الحجاز على الطريق التقليدية للحجيج وعندما اشرف على (المدينة) ووقعت عيناه على قبة مقام خاتم الرسل (ص) لأول مرة انطلق بهذين البيتين الرائعين:

هذه قبــة مــــولاي          واقصـــى أملي

اوقفوا المحمل كي          ألثم خفّي جملي

وبعد ان اتم مناسك حجه اتجه إلى مصر والقدس ودمشق وحلب ثم عاد إلى إيران..

u  تلاميذه

السيد حسين بن السيد حيدر الكركي، نظام الدين محمد القرشي صاحب نظام الأقوال في أحوال الرجال، الشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي العاملي الجبيلي، الفاضل الجواد البغدادي شارح الزبدة لشيخه، السيد ماجد البحراني، ملا محسن الفيض الكاشاني، السيد الميرزا رفيع الدين النائيني، المولى شريف الدين محمد الروي دشتي، المولى خليل بن غازي القزويني، المولى محمد صالح بن أحمد المازندراني، الشيخ زين الدين ابن الشيخ محمد بن صاحب المعالم، إلى الكثير من التلاميذ والشيوخ الأجلاء.

u  مؤلفاته

له تأليف وتصانيف عديدة في مختلف فروع العلم والمعرفة.

ففي التفسير له مشرق الشمسين واكسير السعادتين، والعروة الوثقى في تفسير القرآن حيث خرج منه تفسير الفاتحة لا غير، وحاشية على تفسير البيضاوي جيدة ونفيسة احسن ما كتب على هذا التفسير كما قال تلميذه السيد حسين الكركي، والتفسير الموسوم بعين الحياة.

وفي الحديث له الحبل المتين في أحكام الدين، وشرح الأربعين حديثاً، وفي الدراية له رسالة في الدراية، وفي علم الرجال له حاشية على خلاصة العلامة، وفوائد في الرجال.

وفي العبادة والدعاء له مفتاح الفلاح في عمل اليوم والليلة، وحدائق المقربين أو حدائق الصالحين في شرح الصحيفة السجادية، وفي الفقه له الجامع العباسي، والاثنا عشريات الخمس في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ورسالة في قصر الصلاة وإتمامها في الأماكن الأربعة ورسالة في المواريث، إلى غيرها الكثير..

وفي الأصول له الزبدة، وحواشي على قواعد الشهيد، وحاشية شرح العضدي على مختصر الأصول، وله كذلك مؤلفات في النحو والبيان والحساب وعلم الهيئة والحكمة والتاريخ والأدب وفي أجوبة المسائل.. مما يبلغ مجموع مؤلفاته أكثر من 50 مؤلفاً.

u  أقوال العلماء فيه..

في أمل الآمل : حاله في الفقه والعلم والفضل والتحقيق والتدقيق وجلالة القدر وعظم الشأن وحسن التصنيف ورشاقة العبارة وجمع المحاسن أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصر، وكان ماهراً متبحراً جامعاً كاملاً شاعراً أديباً منشئاً عديم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني والبيان والرياضي وغيرها..

وقال السيد مصطفى التفريشي في نقد الرجال: جليل القدر عظيم المنزلة رفيع الشأن كثير الحفظ ما رأيت بكثرة علومه ووفور فضله وعلو رتبته في كل فنون الإسلام كمن له فن واحد، له كتب نفيسة جيدة.

وقال السيد علي خان في سلافة العصر: علم الأئمة الأعلام وسيد علماء الإسلام وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وارواجه وطود المعارف الراسخ..

وقال الحاج محمد مؤمن الشيرازي في كتابه خزانة الخيال في حقه : بهاء الحق وضياؤه وعز الدين وعلاؤه وافق المجد وسماؤه ونجم الشرف وسناؤه وشمس الكمال وبدره، كعبة الطالبين وقبلتهم، مشهور جميع الآفاق وشيخ الشيوخ على الإطلاق، كهف الإسلام والمسلمين، مروج أحكام الدين العالم العامل الكامل الأوحد بهاء الملة والحق والدين.. إلى آخر التقاريظ العديدة.

u  وفاته..

اختلف في تاريخ وفاته، فقد ذكر تلميذه السيد حسين بن السيد حيدر الكركي والمجلسي الأول الذي حضر وفاته والصلاة عليه، انه توفي في أصفهان في 12 شوال سنة 1020 هـ.. وقيل سنة 1021 هـ وقيل سنة 1025 هـ فيكون عمره 77 سنة. ويذكر المنشي واصفاً صدى النعي ومراسم الجنازة:

(حضرة الشاه (يعني الشاه عباس الصفوي) حضر إلى المأتم وسار جمع من الأعيان، الذين كانوا في المدينة، حفاة على التراب وعلى أقدامهم، قدام الجنازة ووراءها.. وتسابق الناس على مختلف طبقاتهم، وبلغ ازدحامهم حداً بحيث ان الميدان على سعته غص بهم.. واودعت الجنازة المسجد الجامع القديم، حيث ادى العلماء والفضلاء الصلاة عليها.. ودُفن الجثمان في البقعة الشريفة المنسوبة إلى الإمام زين العابدين (ع). ومن هناك نقلت إلى المشهد المقدس الرضوي لتدفن تحت قدمي إمام الأنام حضرة الإمام الرضا (ع) طبقاً لوصيته، في المنزل الذي كان بتصرفه أيام إقامته في مشهد).

 

- نقلاً  عن مجلة الكلمة -

 

جميع الحقوق محفوظة لياقوت المحبة لفرقة رسول الله (ص) للأناشيد الإسلامية

تأسس الموقع في شهر رمضان 1419هـ